في ذمار .. وئدت أحلام وقطفت زهرة قبل أوانها 

ذمار اونلاين _ تقرير خاص:

برزت ظاهرة زواج الصغيرات في اليمن الى الواجهة من جديد وتزايدت عدد حالات الزواج المبكر في أغلب المحافظات خلال سنوات الحرب الاخيرة ، لنشهد إنتعاشاً غير مسبوق لهذه الظاهرة المنتهكة لحقوق الطفولة والمدمرة لأحلامهم خلال الاربع السنوات الاخيرة التي تشهد فيها البلاد صراعا دمويا لم يتوقف منذ مطلع العام 2015 م .

إذ تشير إحصائيات غير رسمية – نشرت حديثا الى ارتفاع مهول في عدد حالات الزواج المبكر التي تم رصدها وتوثيقها خلال سنوات الحرب الأخيرة في جميع المحافظات اليمنية وخاصة المحافظات التي تستضيف أعداداً كبيرة من النازحين، وفي مقدمتها محافظات “الحديدة، حجة، اب” بحسب تلك الإحصائيات.

نستعرض في هذه المادة قصتين طفلتين ذُقّْن مرارة التجربة وعشن تفاصيل المأساة بكل أبعادها في محافظة ذمار، لنعرف من خلالهن عن واحدة من أبشع الانتهاكات التي تتعرض له صغيرات اليمن ونكشف عن جزء يسير من معاناتهن ونتعرف أكثر عن ظاهرة زواج الصغيرات وأسبابها وأثارها المدمرة على المجتمع عموماً والفتيات الضحايا لتلك الضاهرة بشكل خاص…فإلى المحصلة .

– وأد أحلام:

احلام فتاة في الرابعة عشر من عمرها لكن ملامحها توحي بأن عمرها تجاوز الاربعين تنهمك في صناعة بعض الحلى اليدوية والزخارف لنساء الحارة لتبيعها بمبلغ زهيد تحاول احلام تجاوز كل مامرت به فتذهب اسبوعيا” لتلقي جلسة دعم نفسي.

تقول احلام (اشعر بضباب يملى روحي ولا استطيع نسيان ماحدث لي) كان لزوجها في سن 11 سنه اثر كبيره في نفسيتها حين تنظر لأحلام تلاحظ وجه طفل مشوه وندبات على ايديها وجبينها تحاول اخفائها.

تقول الاخصائية النفسية التي تتابع حالة احلام ( مامرت به كان من الصعب تحمله من قبل طفله بهذا السن لكن اصرار احلام على تجاوز ازمتها ساعدها كثير )زواج احلام برجل يكبرها 25 سنه انتج طفلتها (اريج) سلبت هي الاخرى منها.

تخنق العبرات صوت احلام وهي تقول ( لم اشم رائحة بنتي شلها ابوها يوم ولدتها ) بعضا من معاناتها في مرحلة مابعد الطلاق .

تتحدث احلام عن فترة حملها وظروفها الصحية والنفسية خلال هذه الفترة العصيبة في حياتها وتؤكد أن زوجها كان يضربها ويتعامل معها بقسوة ويرميها بشدة على الارض وهي حامل مما اضطرها لترك منزله والذهاب الى منزل اخيها الذي ضربها هو الاخر بسبب تركها منزل زوجها وحاول اجبرها على العوده وعندما رفضت العودة الى زوجها حبسها اخيها في غرفة مظلمة الى ان جاء موعد ولادتها التي عانت كثيرا من آلام الولاده وكادت ان تفقد حياتها وحياة طفلها ولولا توسلات والدتها لدى اخيها لأسعافها الى اقرب لكانت فارقت الحياه .

المحامي التابع لاتحاد نساء اليمن الذي تكفل بقضية خلع احلام يقول لـ(ذمار اونلاين) أن ظاهرة الزواج المبكر انتشرت في محافظة ذمار وعموم المحافظات اليمنية بشكل كبير خاصه في ظل الازمة الراهنه 

وأضاف : يرى أغلب الاباء في مجتمعنا اليوم أن تزويج بناتهم في أي عمر هو الخيار الامثل لسترهن كما يدعون في ظل ماتمر به اليمن ظروف اقتصادية ومعيشية صعبة نتيجة استمرار الحرب في معظم المحافظات اليمنية للعام الخامس على التوالي.

يختتم محامي اتحاد نساء اليمن في محافظة ذمار حديثة لـ(ذمار اونلاين) بالتأكيد أن الاتحاد استقبل خلال العامين الماضيين مئات الحالات لزواج المبكر في المحافظة وأنه يسعى لتخليصهن كلهن من تلك الزيجات التي تمثل انتهاكا جسيما لحقوقهن مشيرا الى ان بعض الضحايا يضطرن أن تنازلن عن كافة حقوقهن مقابل نيلهن حريتهن .

بعد كسب قضية الخلع حاولت احلام العوده المدرسة لتكمل تعليمها الذي كان زواجها هو السبب الرئيسي في توقفها .. لكن رفض اخيها وقف عائقا أمامها .. فلجأت الى جمعية نسوية قريبة من منزلها لتتعلم منها على مهنة وحرفة نسوية تساعدها على كسب قوتها بعد أن تخلى عنها أخوها وأبعدها عنه وفصلها وحدها في غرفة منفرده في منزل والدها لتعيش وحدها وطلب منها ان تصرف على نفسها او تموت جوع كإجراء عقابي لها على رفضها العودة الى زوجها الذي هربت من منزله بعد ضربها قبل أن ترفع قضية خلعه في المحكمة ثم كسبت القضية وهو ما اثار حنق أخوها.

ولا تزال الصغيره احلام تعاني من انزلاق في العمود الفقري بسبب الحمل في سن مبكر بالاضافة الى مشاكل صحية واخرى نفسية كثيره كسبتها من هذا الزواج الذي فاق قدرتها وتجاوز حدود صبرها وتحملها.

لتشعر وانت تستمع لحديثها بآلامها وأوجعها ممزوجة بكلماتها واحرفها التي توجز فيها قصتها لتدرك بأن أحلام ومثلها العشرات من الفتيات الاخريات قد كسرت طفولتهن وسلبت وانوثتهن ومعهما ذهبت حياتهن .

تتمتم أحلام بكلمات أخيره تروي فصل أخر من فصول معاناتها التي لم تنتهي بعد ولكن هذه المرة من أخيها الذي يأتي اليها في نهاية كل يوم ويأخذ منها عنوة كل النقود التي جمعته من بيع منتجاتها ومدخراتها التي تعتمد عليها في تأمين قوت يومها وعندما لايجد عندها مبتغاه يضربها ويعتدي عليها ويشتمها ويهينها بأبشع الالفاظ والتصرفات ثم ينصرف.

تقوم احلام باللهجة الشعبية الدارجة : اخي يجي كل يوم مغرب لعندي يقول هاتي زلط والا ايش معك بالشوارع طول اليوم ويأخذ ثمن مابعت واذا مابش دهفني والا لطمني ودفل بوجهي وخرج)

– قطفت زهرة:

زهرة ( ضحية اخرى لظاهرة زواج القاصرات في ذمار ) تروي قصتها قائلة : عمري لم يتجاوز حينها الثالثة عشر عاما ومع ذلك تم الامر وأصبحت زوجة وأم لثلاثة أطفال ….بهذه الكلمات لخصت زهرة مأساتها قبل أن تحرر من سجنها الذي اودعت فيه قسراً في قفص الزوجية التي لم تطلبه او تسعى اليه او تكن مهيئة بعد لدخوله نفسيا وجسديا.

تبدأ زهرة بسرد تفاصيل تجربتها المريرة التي دامت لاكثر من 7 سنوات وتشرح أحداث زواجها التي لم يكن يوما محبب لها ولا لأي طفلة في عمرها كونهن في مثل هذه المرحلة المبكرة من حياتهن لا يعلمن شيء عن الحياة الزوجية ولا يفقهن ابسط متطلباتها ومقتضاياتها الضرورية للزوج والعائلة.

مما يجعلهن في مثل أعمارهن تحت ضغط لايمكنهن تحمله ويضعهن في فجوة كبيرة بين حياتهن السابقة لدى أسرهن وأهاليهن الذي كانوا يتعاملوا معهن بلطف وحنان يتناسب وأعمارهن وبين حياتهن الجديدة لدى الازواج الذي يتعامل أغلبهم معهن كسلع تم شراهئن من ابائهن لغرض المتعة وحسب ويعاملونهن كنساء يافعات عليهن مسؤوليات وواجبات لاسعاد ازواجهن الامر الذي لا يناسب ابدا مستويات أعمارهن مما يترك لديهن صدمة نفسية لايمكنهن استيعابها وتجاوزها بسهولة فضلا عن الاثار الصحية والجسدية المدمرة على هؤلاء الصغيرات نتيجة مثل هكذا زواج .

تقول زهرة كانت طفولتي كأي بنت في مجتمعي اليوم كنت أحب الحياة والمرح واللعب مع قريناتي واتشارك معهن كل لحظات السعادة .. احلم بمستقبل زاهر وأخطط من أجله واسعى الى مواصلة تعليمي ماضية نحو بلوغ هدفي قبل أن يعترض قطار الحياة الزوجية طريقي ويخطفني قسراً من بين أهلي وواقعي الذي انا معتادة عليه ولا أعرف اسلوب حياه غيره ، ليبدل هذا القطار الدخيل اسلوب حياتي ويقلبها رأسا على عقب فباتت أغلب أيامي ومعظم الليالي سوداء قاتمة لايفارقني الدمع والحزن فيها لحظة واحدة وتحولت حياتي الى كوابيس وأشباح تطارني في كل مكان .

تواصل زهرة حديثها المليئ بالحسرة والحزن المدفونين في أعماقها وحاولت تحريرهما بنهده حارة اطلقتها والدمع يفيض من عينيها ولا يكاد ينقطع – لتتذكر معنا تفاصيل أيامها الاولى من الزواج بالقول .. كنت فتاة صغيرة لم اتجاوز عامي الثالث عشر بعد وكنت حينها لا أجيد أكثر مما يجيده الاطفال في مثل هذا العمر ، غير مدركة لما أنا مقبلة عليه في أيامي القادمة في حياتي الجديدة في كنف الزوج الذي يكبرني بعشرات السنوات لم يكن قرار الارتباط به قراري .

كنت اتصرف بسجيتي كطفلة تحاول التألم مع واقعها الجديد والتغلب على فراق الاهل والحنين الى حياتي الذي انتمي اليها واحاول أن احيط نفسي بجو من المرح بمشاركة الفتيات الذي كنت في نفس اعمارهن اللعب المرح والتصرف الطفولي البريئ وهذا ما ازعج زوجي وأسرته ووصفوا تصرفاتي بالطائشة واعتبروني مختلفة عن باقي الاطفال كوني صرت مزوجة.

حينها تعقدت حياتي وتفاقمت مشاكلي واندثرت أحلامي وتقزمت كل طموحاتي عندما بدأت اتلقى الكثير من الإهانات والشتم والاساءة من زوجي وأهله وازدادت الامور سوءاً عندما أصبح زوجي يعاملني بقسوه عصبية مفرطة وأحيانا بالضرب .

فلم أعد احلم في مثل هذا الوضع سوى التحرر من هذا الواقع المخيف والموحش حتى جاءت لحظة الخلاص بعد 7 سنوات من الزواج القسري وثلاثة أطفال وانا رابعهم كضخايا لهذا الزواج الذي لم يكن لي أو أيا من هولاء الاطفال الابرياء أي خياراً فيه لندفع نحن الثمن اذ كيف لفتاة صغيرة ان تتعامل مع اطفالها وزوجها واسرة زوجها في جو مشحون بالمكايدات ، وحياة رتمها الجدية وتحمل المسؤولية .

تتحدث زهرة عن أسباب ودوافع أسرتها لتزويجها في مثل هذا العمر وتؤكد بالقول : لم تك اسرتي تعاني من أي مشاكل مادية او ظروف اقتصادية معقدة كحال الكثير من الاباء في مجتمعنا اليوم التي تقدم على تزويج بناتها وهن في مقتبل أعمارهن تحت مبرر ظروفهم الاقتصادية الصعبة – وهو غدر لايمكن تبريره في أي حال من الاحوال – تتابع : بالعكس كان وضعنا ميسور الحال وحياتنا مفعمة بالمحبة والود ،ولكن تقاليد الزواج المبكر بالنسبة لمنطقتنا وعزلتنا هي السائدة والرائجة ، ولا يجد الآباء حرج من الزج بصغيراتهم في معركة هن من يدفعن الثمن فيها غالياً .

مختتمة حديثها بالقول ففي مجتمعاتنا لا صوت يعلوا فوق صوت العادات التقاليد وإن كانت سيئة ، ولا رأي فوق رأي الآباء وقراراتهم وإن كانوا يجانبون الصواب في آرائهم ويرتكبون أكبر الأخطاء في قراراتهم.

مقالات ذات صلة