ذمار: الطقس البارد ضيف بلا ترحيب (تقرير خاص)

ذمار أونلاين _ تقرير خاص:

كعادة طبيعية متلازمة، تعيش محافظة ذمار نهاية كل عام ميلادي موجات من البرد القارس خصوصا في مناطقها المرتفعة في جميع المديريات، ولعل ذمار المدينة هي من تنفرد بنصيب الأسد من الأجواء الباردة التي تنعكس سلبا على حركة السكان اليومية، وعلى إمكانية الخروج من المنازل في ساعات المساء المتأخرة أو ساعات الصباح الباكر، متسببة بسلسلة من الحالات المرضية كالحمى والزكام والتهاب المفاصل والروماتيزم. وتسببت الأوضاع المعيشية للمواطنين والظروف الاقتصادية التي يمر بها الوطن جراء الحرب والحصار إلى تفاقم أمر هذه المعضلة.

ناشط شابي بذمار يوزع ملابس للأطفال للوقاية من البرد

فإلى جانب غياب التغذية الصحية الكافية والسليمة، يأتي الفقر وانقطاع المرتبات ليزيد الطين بلة، وتستفحل آثار البرد بالسكان أكثر من أي وقتٍ مضى، فغالبية الأسر في ذمار لم تعد قادرة على شراء متطلباتها المنزلية التي اعتادت على توفيرها في أيام البرد، ناهيك عن ارتفاع الأسعار وانقطاع وتراجع دخل الكثير من الأسر بما في ذلك القطاع الخاص. وغابت أجهزة التدفئة والسخانات والملابس الثقيلة باهضة الثمن من معظم البيوت، واقتصر عمل الطاقة الشمسية لتغطية كهرباء الإضاءة والشحن وبعض الأجهزة المنزلية الضرورية.

كابوس المحاصيل

تعتبر محافظة ذمار، التي تبعد بحوالي 100 كم عن العاصمة صنعاء وترتفع بحوالي 2,500 متراً عن مستوى سطح البحر، واحدة من أكثر المناطق برودة في البلاد، حيث انخفضت درجات الحرارة فيها مؤخراً إلى حوالي درجتين مئوية تحت الصفر. ويفيد السكان أن موجات الصقيع بدأت في منتصف شهر نوفمبر وتزداد سوءاً في منتصف شهر ديسمبر، وبدورها تتسبب في تدمير معظم المحاصيل الزراعية تقريباً بما فيها أشجار القات التي يتم تغطيتها بالقماش.

وتشكل عملية تغطية المحاصيل بالقماش طريقة لحمايتها من أضرار الصقيع، ويضيفون: إن إضرام النار في الحطب أو إطارات السيارات حول الأراضي الزراعية في الصباح الباكر وزيادة السقي من مرتين إلى ثلاث مرات شهرياً قد يساعد بدوره في مواجهة أضرار الصقيع.

إجراءات مؤقتة

لكن يبدو أن كل الإجراءات الوقائية غير مجدية خلال الأعوام الأخيرة، حيث أفاد السكان أن مزارعي الخضراوات فقدوا بعض محاصيلهم بسبب البرد والصقيع. غير أن بائعي مبيعات الأسمدة والمبيدات والمعدات الزراعية بدأوا بخفض الأسعار خلال الشهر الماضي نتيجة الصقيع بسبب قلة القابلية الشرائية لأن المزارعين يخشون من أن يتسبب استعمال الأسمدة والمبيدات في إضعاف محصولهم أمام البرد خصوصاً وأنه من المتوقع أن يستمر الصقيع حتى أواخر شهر من هذا العام والشهور الأولى من العام القادم. وتؤكد الإحصاءات أن 80 بالمائة من سكان المحافظة البالغ عددهم 1.3 مليون نسمة يعتمدون على الزراعة، ويقوم ثلاثون بالمائة منهم بإنتاج القات، خصوصاً في سهول المنطقة الشرقية من المحافظة، في حين يقوم السبعين بالمائة الآخرين بإنتاج الحبوب والفواكه والخضراوات.

محاصيل مضروبة

يتأثر محصول أشجار الفاكهة والخضروات سنوياً بالصقيع بدرجات متفاوتة، ويؤدي في بعض السنوات إلى القضاء على الإنتاج بكامله من المزروعات والأشجار، والصقيع ظاهرة معقدة تحاول الأبحاث دراستها من خلال علوم الأرصاد الجوية والبيئة والمناخ، وفيسولوجيا النبات، ويعرف الخبراء الصقيع بأنه الحالة التي تنتج عن انخفاض درجة حرارة الهواء إلى صفر درجة مئوية أو أقل ويتحول بخار الماء الموجود في الجو من الحالة الغازية إلى الحالة الصلبة مباشرة.

أسباب علمية

يؤكد المختصون في جامعة ذمار أن هناك عدة عوامل تساعد على حدوث الصقيع منها طبوغرافية الأرض، فالحرارة تنقص كلما ازداد الارتفاع، كما أن القمم تكون عرضة للرياح الباردة؛ لذلك تتعرض أعماق الوديان للصقيع؛ لأن الهواء البارد يبقى محصوراً دون تجدد. ويؤكدون -وهم يعملون في كلية الزراعة- أن الفرق بين حرارة التربة والجو يزداد مع الارتفاع؛ لذلك يحرص المزارعون على اختيار الأصناف ذات الأزهار والثمار المتأخرة، وكلما كانت السماء صافية ازداد ضياع الحرارة الأرضية، وتلعب الرطوبة دورا أساسيا لأن بخار الماء هام لحفظ درجة حرارة الأرض.
أما ما يتعلق بسرعة الرياح، فهدوء الجو في الليالي الصافية يساعد كثيراً في حدوث الصقيع لتلاشي طبقة الهواء البارد مع الأرض، وكذا الطاقة الحرارية للتربة، حيث أن طبقات التربة تحتفظ بكمية من الطاقة الحرارية نهاراً وبذلك يبرد سطح الأرض ليلاً بسرعة؛ ولهذا السبب من الضروري جداً عدم فلاحة الأرض المعروفة بأنها عرضة للصقيع.

رداء نباتي

أثبتت التجارب أن طبقات الهواء فوق الأرض العشبية أكثر برودة من طبقات الهواء فوق الأراضي العادية، وبالتأكيد تتأثر النباتات بالصقيع، وتؤكد تلك التجارب العملية التي تدرس تطبيقيا في الجامعة، أن تدني درجات الحرارة يؤثر على الماء في خلايا النباتات حيث يخزن الماء في حالة الصقيع بين الخلايا وتتشكل قطع صغيرة من الجليد فإذا سقطت أشعة الشمس على الخلايا الفارغة أحرقتها وأدت إلى اسوداد لونها وتلفها، وهو ما يسمى بـ “الضريب” في اللهجة المحلية الدارجة.

ملابس شتوية يتم توزيعها للأسر الفقيرة والأطفال للوقاية من موجة البرد

ولأن المحاصيل الزراعية في محافظة ذمار وكذلك عشبة “القات” تعد مصدرا اقتصاديا هاما يعتمد عليها السكان في دخلهم المحلي، فإن موجة البرد والصقيع تشكل الكابوس الأبرز الذي يؤرق صحوتهم قبل منامهم من عدة جوانب، ويأتي الجانب الإقتصادي في الصدارة مع الأخذ بالإعتبار النشاط الوقائي لهذه الطفرة الموسمية التي تترك وراءها تبعات قاسية وغير محمودة أمام عجز عام وخاص لا يمكن تجاوزه أو درء نتائجه.

الوسوم

مقالات ذات صلة