بعد 20 عاماً من الصراع .. قبيلتي بني عُمَرْ وقَرَضَانْ .. وأخيراً تتنفسا الصُّـعَـداء

ذمار أونلاين _ خاص:

عادت الحياة مجدداً إلى مناطق وقرى عزلتي قرضان وبني عمر في محافظتي ذمار وإب وسط اليمن وعادت معها الأوضاع إلى طبيعتها ، بعد أن تمكنتا أخيرا من طي صفحة الصراع القبلي الدامي بينهما الذي استمر قرابة عشرين عاماً ، مخلفاً أكثر من سبعين قتيلاً ومايزيد عن 350 جريحاً بينهم العشرات من النساء والأطفال ، فضلاً عن الخسائر الإقتصادية الفادحة التي تكبدوها.

يستطيع أهالي المنطقتين اليوم إستئناف حياتهم بشكلها الطبيعي والعودة إلى ممارسة أنشطتهم اليومية بأسلوبها الاعتيادي ، والتنقل بحرية تامة بين مناطقهم، دون خوف من طلقة طائشة أو قذيفة عشوائية، أو شضايّا متطايرة قد تخطف منهم حياتهم كما خطفت حياة الكثير من أقاربهم وأحبابهم من قبل على مدى عقدين من الصراع الدامي.

إذ نجحت وساطات قبلية ، يقودها مشائخ ووجهاء وشخصيات إجتماعية و قبلية بارزة من المحافظتين، في التوصل إلى إتفاق صلح قبلي وقعه طرفي الصراع لإنهاء حرب شرشة بينهما ،قرعت طبولها الاولى مطلع القرن الواحد والعشرين ، على خلفية نزاع على مناطق حدودية بين العزلتين.

بدأت هذه الحرب بين (بني شداد ، وبني الحفصي من عزلة قرضان بمديرية مغرب عنس ذمار كطرف) و (بني الزيدي ، وابو هاجرة من عزلة بني عمر في مديرية القفر محافظة إب كطرف آخر)

ونتيجة لإتساع الحرب وتعدد أسبابها وتعقدها استمر الصراع بين الطرفين بشكل عنيف ومتواصل دون انقطاع على مدى عقدين متتاليين حتى أنهك المتحاربين وأثقل كاهلهم وزرع الخوف والرعب والدمار في يومياتهم.

تقع عزلة قرضان في الجنوب الغربي لمديرية مغرب عنس التابعة إدارياً لمحافظة ذمار ، وتقابلها عزلة بني عمر الواقعة في الشمال الغربي لمديرية القفر والتابعة إداريا لمحافظة إب وسط اليمن، ويعتمد أغلب سكان العزلتين على مهنة الزراعة والرعي بشكل أساسي كمصدر دخل رئيسي لاغلب الاسر الريفية في تلك المناطق .

مراسل ذمار اونلاين شهد مراسيم توقيع الإلتفاق القبلي الذي جرى التحضير له لأكثر من عام كامل ، وتم التوقيع على مسودته الاسبوع الماضي بحضور رسمي وشعبي كبير .

ومن خطوط التماس تحدث مراسنا مع الأهالي عن هذا الاتفاق وأهميته و عن تجاربهم القاسية التي عاشوها خلال سنوات الحرب الماضية ورغبتهم المشتركة لطي صفحة الماضي وتناسي مآسي الحرب وسنواتها العجاف وحرصهم الشديد على تحقيق سلام مستدام بينهما و عدم الإنزلاق في مربع العنف مجددا بنزع فتيل الحرب ومعالجة أسبابها من جذورها فإلى المحصلة :

لا أحد منتصر

والبداية مع الشيخ عبدالله الحفصي- أحد مشائخ قبيلة قرضان بمغرب عنس يتذكر سنوات الحرب قائلا : كانت عنيفة جدا وطويلة جداً و قاسية بشدة على الطرفين ولا يمكن ولايمكن
ويضيف : استخدمنا في هذه الحرب كافة أنواع الأسلحة الخفيفة والمتوسطة والثقيلة وأحدثها ، إبتداء من الكلاشنكوف مروراً بالأسلحة الرشاشة الاوتماتيكية وقذائف RBG وصولاً الى الأسلحة المدفعية وقذائف الهاون و سخرنا لها كل مواردنا لشرائها وتوفيرها ذخائرها لضمان التفوق على الخصم وكسب المعركة

مستدركا بالقول : لكن لا أحد منتصر في هذه الحرب ، والغالب فيها مهزوم بكل المقاييس.

وتسببت الحرب – والقول للشيخ الحفصي – بتدهور مرعب وغير مسبوق للأوضاع الإنسانية والمعيشية واتساع رقعة الفقر لدى معظم سكان المنطقتين ، مع إنتشار للأوبئة والأمراض في ظل إنهيار المنظومة الصحية وافتقار المنطقتين المتصارعة للخدمات الأساسية .

 

فضلاً عن آثارها الإجتماعية المدمرة حيث غذّت الحرب الأحقاد ، وعزّزت المناطقية ، وأفرزت لغة جديدة بين الأخوة هي لغة العنف وخطاب الكراهية بدلاً من التسامح والحوار ، واكتوى بنيران تلك الحرب المشؤومة الالاف من النساء والأطفال والمدنيين وحمّلتهم تركة ثقيلة لايمكنهم تجاوزها بسهولة أو التعافي منها على المدى القصير.

مشيراً في ختام تصريحه لـ(ذمار اونلاين) أن توقيع هذا الصلح القبلي بين بني عمر وقرضان وطي صفحة الحرب بينهما سيساهم في عودة الحياة وإعادة الأمن والاستقرار الى مناطقهم وتمكن الأهالي من ممارسة حياتهم اليومية بشكلها الطبيعي وتسمح للمزارعين الواقعة أراضيهم الزراعية في مناطق التماس باستصلاحها وزرعتها والاستفادة من خيراتها بعد أن أمنوا على أنفسهم ومواشيهم.

ساقية ماء

الكاتب عبدالملك العصار يكشف عن سببا اخر لحرب قرضان وبني عمر وبدايتها ويستعرض نقلا عن احد أهالي قرضان خسائرها وأثارها ..

يقول الكاتب العصار في مقال نشره تحت عنوان الصراع على الحكم بين السلطة والقبيلة خلفت حرب قرضان وبني عُمر التي اشتعلت نيرانها في العام 1981م وخلفت عشرات القتلى ومئات الجرحى من الرجال والنساء والاطفال.

مؤكدا نقلاً عن العقيد محمد علي حزام النقيب وهو من أهالي قرضان عنس : أن عدد القتلى بلغوا 91 قتيلاً من قبل الطرفين بينهم 6 نساء و5 أطفال اضافة الى المواشي أما الجرحى فوصل عددهم الى أكثر من 220 جريح من الرجال والنساء والأطفال.

 

وعن أسبابها تحدث قائلا : كان مبعث السبب شجار على ساقية الماء بين جارين لا يبتعد الواحد عن الآخر سوى 30 متراً وهي السائلة التي تفصل بين حدود القبيلتين
ويتابع : الشيء الأهم من ذلك أنه يقول: رغم الوساطات والتدخلات القبلية التي حضرت لايقاف الحرب باءت جميعها بالفشل بسبب وجود أشخاص لهم مصلحة في استمرار الحرب بين الطرفين. بحسب تعبيره

مشيرا الى أن الحرب منعت الطرفين من الزراعة وأغلقت بسببها المدارس وهجرت البيوت ودمرت، وهاجر أكثر أبناء القبيلتين الى المدينة.

النساء الاكثر معاناة:
مريم إمراة خمسينية – تنحدر من احدى قرى عزلة قرضان –  تتحدث هي الأخرى عن تجربتها خلال سنوات الحرب المريرة وأحداثها وتستعرض بعضا من مآسيها وما سببته من معاناة انعكست على واقع حياتهم
تقول لـ(ذمار اونلاين) : كان المرور من هذا الوادي ممنوعا من الطريفين خوفاً من الثأر لذلك كانت النساء تحمل المياه نضطر ان نحمل المصاريف – مؤنة المنزل- على رؤوسنا او على ظهور الحمير لمسافات طويلة في هذه الجبال الوعرة.
وترى السيدة الخمسينية : أن فتح طريق الوادي وعودة الحياة إليه وتمكن المزارعين من استصلاح أراضيهم وإعادة زراعتها والاستفادة من خيراتها وإنتهاء الحرب “الضوء الذي بدد الظلام الحالك.
مختتمة بالقول : كنا نموت جوعاً وأراضينا متصحرة وقاحلة ولا نستطيع زراعتها.

المرور الأول
يضيف مواطن ثالث بالقول : بداية هذا الاسبوع مرّت سيارة من وادي “المدير” هي المرة الأولى الذي تمر فيه سيارات من هذا الوادي منذ مايزيد عن عقدين من الزمن بعد أن تحول الى ساحة للصراع وشهد اقتتال عنيف بين الطرفين على مدى العشرين السنة الماضية.

وتابع : حولت هذه الحرب الطويلة وادينا الخصيب ذو الخير الوفير إلى موطن للقردة ، ومزرعة كبيرة للأشواك بعد أن فرّ منه سكانه وتركه مزارعوه وهجروا أراضيهم الخصبة وانتلقوا الى الجبال الشاهقة لبناء مساكن عيشهم فيها متحصنين بصخورها القاسية .

 

مستعرضا بعضا من ذكرياته الأليمة في تلك السنوات العجاف بالقول : في زمن الحرب ، تدافع الكثير من أبناء العزلتين للانخراط في هذه الحرب وتحولوا بشكل مباشر او غير مباشر الى وقوداً لهذا الصراع الدامي ، وفرضت عزلة اجتماعية كبيرة وطويلة وتخلق واقعا استثنائياً وغير معهود لدى الجميع.

وتمنى أن لا تعود تلك الأيام القاسية وما خلفته من مآسي وأوجاع ودمار وأدخلت الحزن الى كل منزل وأن تسود لغة الإخاء والتسامح وانتهاج الحوار والتفاهم لحل الخلافات بين أبناء القبيلتين

معتبراً أن الصلح القبلي الذي تم التوصل اليه وتوقيعه من قبل قبائل قرضان وبني عمر يمثل انتصاراً للحكمة اليمانية وتجسيدا لمبادئ والأعراف القبلية.

 جبلٌ وانزاح
شاب عشريني وجد نفسه في دائرة مغلقة من حرب دامية بدأ سعيداً لانتهاء هذه الحرب وتوقيع اتفاق الصلح القبلي بين الطرفين .

وقال في لقاء مقتضب مع “مراسل ذمار اونلاين”: في هذه الحرب قتل أثنين من أولاد عمي وبعض اقربائي خلال سنوات الحرب لم استطع أو أي أحد من شباب منطقتي الدراسة ولا الزراعة ولا التنقل بأمان خوفاً من الثأر.

يتابع حديثه لتوضيح الوضع الأمني الذي كان يعيشه طوال سنوات الحرب بالقول : كنا نحمل أسلحتنا بشكل متواصل وتضل معنا وترافقنا كضلنا في كل زمان وفي أي مكان ولا تفارقنا كضلنا حتى في النوم وأوقات الذهاب الحمامات .

ويختتم حديثه : أما اليوم فأشعر أن جبلاً شاهقا كان جاثماً على صدري وصدور كل أبناء قبيلتي ،قد انزاح بعد توقيع هذا الاتفاق التاريخي بين أبناء قرضان وبني عمر .

مقالات ذات صلة