أم صالح: دموع ساخنة تطفئ لهب “الطبون”

ذمار أونلاين _ خاص:

كثيرة هي القصص التي تغرد في واد غير ذي بشر، وعظيمة هي عزائم الصبر والكفاح التي ما فتأت تمسح مآقي المغلوبين، وتربت على أكتاف الدراويش، وتغني للأطفال لحن الطفولة المسروقة في محن الواقع المتلظي بجحيم الوجع وجمرات الوضع البائس الباعث على الإدمان في التصاقه بأحوال الناس للعام السادس على التوالي.

طبون أم صالح

بوجه أسمر تملأه تجاعيد البؤس، تلتفت أم صالح بإبتسامة خجولة في وجه الكاميرا، وهي تحتضن بين ذراعيها حزمة من الخشب المهشم وبقايا كراتين سميكة، تتردد في الحديث إلينا، إلا أن دموعها تحوي أبجدية لا تسعها قواميس اللغة، وتناهيدها تبوح بهمس متقطع لا تشمله قوانين الفضفضة.

بدائل إضطرارية

لم تجد هذه الأربعينية التي تقطن أحد منازل حي بير خابوط وسط مدينة ذمار؛ بداً من البحث عن بدائل متاحة لإيقاد طبونها البلدي، فتجمع بقايا الأخشاب من المخبز المجاور الذي يستخدم الحطب لإنتاج الكدم، وتطلق لقدميها العنان لتلف الشارع اللصيق بمنزلها سعيا لجمع كراتين المواد الغذائية والإستهلاكية، فإسطوانة الغاز التي حلت ضيفا على عاقل الحارة لا تزال مخيمة في حوش منزله للشهر الثاني على التوالي، وقد يستدعي بها الأمر إلى تجديد إقامة مجانية بجوار رفيقاتها في الطابور الأفقي، حتى الحطب الذي كان يعرض نفسه بثمن بخس في الأعوام الماضية اصابته عدوى الجشع والطمع، وارتفع ثمنه نظرا لشدة الإقبال عليه، وبات بسعر عالٍ بعيدا عن متناول المستضعفين الذين جثمت على صدورهم تبعات الحرب والحصار.

ضيافة خاطفة

بلهجتها اللذيذة المفعمة ببراءة الفطرة وجود النفس، الحت أم صالح على دخولنا منزلها المتواضع، كسرات من الخبز متفحمة الأطراف هو كل ما لديها في تلك السفرة المغزولة بسعف النخل، وكوب من الشاي البارد الممزوج برائحة دخان الكراتين التي تكفلت بانتاجه قبل ساعات الصباح. كانت وجبة رائعة مع أطباق الحديث البلدي الممتع، لم يقطعها سوى قرع الأنامل بالباب، فأحفادها محمد ورشيد قدموا من المدرسة القريبة في وقت الإستراحة لتناول وجبة كنا نحسبها إضافية، لكنها كانت وجبتهم الصباحية الرئيسية.

سلة شهرية

حصة غذائية شهرية يمنحها برنامج الأغذية العالمي عبر منظمة الإغاثة الإسلامية بذمار، هي كل رصيد هذه الأسرة التي تشرف أم صالح على إدارتها، فولدها صالح قتلته الحرب في عامها الثاني، تاركا خلفه حفيديها محمد ورشيد ووالدتهما التي تزوجت مؤخرا وتركتهما للجدة المغلوبة على أمرها. وضع يبعث على البكاء، حقائب مدرسية تتدلى من ظهري الطفلين، صنعتها الجدة من أكياس الأرز ذات العشرة الكيلو، وعلبتين خضراوين من مخلفات مشروب “ديلسي الغازي” هما خزانيهما المائي للمدرسة، إنها الإرادة الصلبة التي لا تتقيد بظرف ولا تستسلم لعابر، وجهاد العيش القاسي الذي لم تشرعه الأديان يوما ما.

أمل وقاد

رغم كل شيء، تراهن هذه الأسرة على وقوفها صامدة رغم عواتي الحرب وعواصف الحصار، تجلب ماءها من جامع الحي، وتصنع قوتها من حصتها الإغاثية الشهرية، وبقية الكماليات ترفدها تجارة الطفلين في جمع علب البلاستيك وبيعها لكافتيريا في أطراف الشارع، ولا يخلو الأمر من فاعلي الخير الذين يجلبهم القدر كلما ادلهمت الخطوب واغلقت الأبواب، هذه باختصار قصة يحكيها الواقع بلغة عصية على غصة الحناجر، وهي في حد ذاتها نموذجا لعشرات النماذج التي صنعت منها الأزمة في اليمن ديكورات ومجسمات بشرية تنبض فيها روح عقيمة تنتظر من العالم إنسانية مفقودة لطالما تشدق بها وعزف على أوتارها المقطوعة.

مقالات ذات صلة