إنتصار الغاثي.. ملحمة أنثى تعشق الإنتصار (قصة نجاح)

تقرير خاص | ذمار اونلاين:

فتاة عصامية متوقدة الذكاء، ثرية الفطنة، لا يغزوها القنوط أو تقتحم حصونها المنيعة جحافل الإستسلام، وكأن وعورة الجغرافيا وجحيم التضاريس منحاها قدرة فطرية عجيبة على مواجهة الحياة القاسية بكل محطاتها وتفاصيلها.

 

تنظر إلى عدسة الكاميرا بعيون يملؤها الخجل؛ فهي لا تزال بنت الريف الذي يكوي الوجدان خلف قضبان التقاليد، تحاول أن تخفي ارتباكها من أسئلتنا رغم إتمامها للعام الأول في الماجستير الوظيفي، وتفرقع أصابعها كلما سردت غيضا من فيض ذاكرتها؛ كانت تلك الفرقعة إيقاعات عزفنا بمعيتها قصة نجاح نعتت بـ “سيمفونية الإنتصار”.

في قرية صغيرة تتدلى على قفص جبلي شاهق، ولدت (انتصار اسماعيل) بنت مديرية جبل الشرق بمحافظة ذمار، وسط كومة من المنازل التقليدية المحرومة من أبسط الخدمات الإنسانية العامة، ومكتضة بالعادات والتقاليد المكتسبة التي فرضتها محددات القبيلة الكفيلة بوأد المرأة حية رغم تشبثها بحقها في الحياة أسوة بنظيراتها في هذه المستديرة المنعوتة بـ “الأرض”.

 

لكنها جعلت من تلك القرية الصغيرة ثكنة للكفاح، لتنمو وتترعرع في عزلتها الشخصية في أوساط مجتمع يتغنى بالجهل، ويرقص محتضرا على اوتاره المرتعشة.

 

في ربيعها السادس عزمت على الإلتحاق بالمدرسة، لكن العادات والتقاليد حالت دون ذلك، وبإرادتها القوية حطمت معاول اليأس، فهي تدرك أن معركتها مع الحياة قد بدأت للتو، حاولت مرارا وتكرارا حتى استطاعت أن تقنع والديها.

وتمكنت في عامها السابع من الإلتحاق بمدرسة “السمح بن مالك” في القرية التي تسكنها، ونصب عينيها هدفا كبيرا رسمته بالألوان، وبزغ فجره منذ العام الدراسي الأول لتحصد المرتبة الأولى في كل مراحلها الدراسية، ناهيك عن خطفها للمرتبة الأولى على مستوى المديرية في امتحانات الشهادة الأساسية العامة.

 

بإنتهاء هذه المرحلة كانت إنتصار قد أنهت مرحلتها الدراسية الأولى بقرار أبيها واخوانها، والذي يقضي بأن هذا المستوى من التعليم كافٍ لها، فقد نالت ما لم تحصل عليه إي فتاة سواها من تنازلات الأسرة لتصل إلى ما وصلت إليه، لكنها واصلت مواجهتها لهذه القيود.

 

تقول إنتصار: “كانت معركة كبيرة جدا، فإلى جانب تلك القيود لا توجد مدرسة ثانوية في قريتي، وثمة العديد من الأسئلة كانت تدور في ذاكرتي بين الحين والآخر، إذ أن المدرسة الثانوية تبعد مسافة كبيرة عن قريتي، مسافة ساعتين ذهاب ومثلها إياب.

 

واستمرت قائلة: ان واصلت سأكون عرضة لحديث الناس بأني تجاوزت الحدود وأذهب وحيدة بين تلك القرى. وقبل هذا اتساءل هل استطيع أن اقاوم المسافة وحرارة الشمس كل يوم؟.

 

وتضيف: “مواصلتي للتعليم كان عيبا لدى مجتمعي، ومن المعيب أن تخرج الفتاة لمسافة بعيدة، ولكن اصراري وطموحي الكبير لم يمنعني من ذلك وبعد محاولات وافق أبي على ان اواصل تعليمي، واستمريت لشهرين اتكبد البرد القارس في الساعات الأولى من النهار وحرارة الشمس في وقت الظهيرة.

 

مواصلة القول: بعدها تذكرت أن لأبي خالة في تلك القرية البعيدة كما كنت اسمع من أمي، ففكرت أن ازورها، وفعلت ذلك بمعية احدى زميلاتي وقدمت نفسي لها فاحتضنتني بفرح. وعندما سألتني مالذي جاء بي، لم تصدق اجابتي بأني أتي يوميا للدراسة، وعرضت عليّ السكن معها.

 

لم تتمالك انتصار نفسها من شدة الفرح؛ لأنها وجدت أخيرا من يساعدها ويفهمها ويخفف عنها وطأة التعب وعناء السفر كل يوم.

 

ولم يتوقف دور الجدة عند هذا الحد؛ بل ذهبت بنفسها إلى والد إنتصار واستطاعت ان تقنعه وتحصل على موافقة بالسكن معها وإكمال تعليمها.

 

وخلال تلك السنوات الثلاث حصدت إنتصار المرتبة الأولى بين زملائها، وكللت ذلك النجاح بحصولها على المركز الأول في إمتحانات الشهادة الثانوية العامة على مستوى المركز الامتحاني بمعدل 86%.

 

بدأت إنتصار المرحلة الأكثر تحديا والمواجهة الأشد خوضاً بعد إنهاء التعليم الثانوي، إلى جانب فقدانها أخيها وذراعها الأيمن في رحلة التحدي وإنتقاله إلى جوار ربه، لتجد نفسها وحيدة تصارع الحياة بمفردها.

 

تقول إنتصار بصوت تفضحه نبرات الحزن: “لقد رحل أخي في سنة ما بعد ثالث ثانوي، وكانت تلك الفاجعة عميقة بالنسبة لي بأن فقدت جزء من روحي، وانتابتني موجات من اليأس ولكني سرعان ماتجاوزتها وهيأ الله لي ابي ليقف معي، ذلك الرجل العظيم الذي تحمل الكثير لأجلي”.

 

سافرت إنتصار إلى مدينة ذمار لتواصل تعليمها الجامعي، لتصنع من قصة نجاحها نموذجا يحتذى به، وطريقا معبدا لفتيات قريتها للالتحاق بالتعليم.

 

لم يسعفها الحظ بإجتياز إمتحان القبول في كلية الطب بسبب سقوطها في مادة اللغة الإنجليزية، وكان هذا دافعا كافيا للالتحاق بقسم اللغة الإنجليزية في كلية التربية بجامعة ذمار.

 

تقول إنتصار: “ولكن ماذا بعد؟ اسئلة كثيرة لم أجد لها اجابة. اين سأسكن؟ من اين سأحصل على مصاريف قوتي ودراستي؟ كان أخي الذي رحل قد كتب لي بجزء من راتبه، فعمدت إلى اخذ جزء بسيط منه واخذت لي بيت متواضع أنا وأخي أحمد الذي يدرس في الصف الأول الثانوي”.

 

استمرت إنتصار في دراستها قرابة الشهرين تقتات على ثلاث حبات من الرغيف وعلبة زبادي للثلاث الوجبات واخيها بنفس المقدار.

 

لكنها أدركت إجحافها في حق أخيها الذي ترك تعليمه بسببها وبات مرافقا لها، وبعد عدة محاولات أستطاعت الإلتحاق بسكن الطالبات الجامعي، وعاد أخوها أحمد ليواصل تعليمه في القرية، وأصبحت أسرتها عرضة لكلام الناس، حتى عند عودتها للديار أيام العطلة، تلتهمها عيون الناس وتلفحها نيران الظنون وكأنها ارتكبت جرما لا يغفر وعيبا اسودا لا يسقط بالتقادم.

تقول إنتصار: ” استفدت كثيرا من قصة الضفدع الأصم، فلم التفت لأي كلام يقولونه، وكنت أعاني الأمرين، الأول غربتي، والثاني شحة المصاريف، فكنت أقطع المسافات الطويلة راجلة من السكن ذهابا وايابا إلى الكلية، وفي مستوى ثاني بدأت أبحث عن عمل، وكان الله خير موفق؛ حيث تم قبولي كمدرسة للغة الانجليزية في المعهد الأمريكي وبعدها في المعهد الكندي وسط مدينة ذمار.

 

في العام 2016 توجت إنتصار قصة نجاحها بتخرجها من جامعة ذمار، واصبحت استاذة تدرس اللغة الإنجليزية في أغلب المراكز والمعاهد في المدينة، وعملت على تطوير نفسها في عدة مجالات مثل التدريب والترجمة والكتابة وغيرها حتى اصبحت تتقن مهارات مختلفة، وحصلت على لقب مدرب معتمد لدى التعليم الفني والتدريب المهني في العام 2018، ومدرب أول معتمد من البورد العربي والبورد البريطاني، وهي اليوم تدرب العديد من البرامج في التحفيز الذاتي والعلاقات العامة والمراسلات التجارية والإدارية في اكثر من محافظة منها محافظة إب وذمار وصنعاء.

ولم تقف عند هذا الحد، فهي اليوم طالبة ماجستير في التنمية المحلية، وعاملة مع العديد من المؤسسات المحلية والمنظمات الدولية.

 

 

مقالات ذات صلة