“لله” أبجدية طفل يتيم أثقلته قواميس الوجع

تقرير خاص | ذمار أونلاين:

على أرصفة البؤس يلتهم وجوه المارة بعيون شاخصة ووجه شاحب، كفه الغضة تتمدد مفتوحة تصافح كف المجهول، يفتح فاه مختزلا كل الأبجدية في عبارة هي كل ما يملأ كنانته من سهام الإستعطاف، يهمس “لله”، لعل تلك الكف تنقبض وفي جوفها فتات من المال؛ يمطر مزنها جود أحدهم.

تلك هي برتوكولات التعاسة الممزوجة بالعجز، ودروس الحياة المعقدة التي لم يهضمها عقل طفل يانع الإدراك؛ وجد نفسه يصارع كابوس الفاقة والحاجة في جغرافيا تنعت بـ “ذمار”، تلك المرمية على قارعة الوضع الإنساني الوخيم.

مداميك الوجع

“محمد” الطفل الذي ينحدر من إحدى مديريات محافظة ذمار، كان قبل حولين كاملين يعمل مع والده في بيع الملابس ومستلزمات النساء متنقلا في المناطق الريفية، وراجلا إلى ضواحي مدينة ذمار، تلك الحولين ذاتها هي باكورة رحلته الطويلة في درب المعاناة والوجع.

هذا الطفل الذي لم يتجاوز أربع عشرة ربيعا, التحق مضطرا بممتهني التسول في مدينة ذمار, تلك المهنة التي وجد منسوبيها انفسهم في العراء يلتمسون الناس العطاء, بعد ان غادر الأمل حياتهم، وجثم عليهم شبح الموت يتربص بهم جوعا من كل اتجاه.

إستهلال المعاناة

“لدي خمسة اخوان في البيت, والدي مات, وانا يتيم”, قال جمله المتقطعة ببطء وحذر, مضيفاً لـ “ذمار اونلاين”: “خرجت من المدرسة وعملت مع والدي في بيع الملابس في القرى, وقبل عامين تعرضت السيارة للحريق لينتهي كل شيء البضاعة والسيارة، يومها تعرض والدي لحروق شديدة, وفارق على إثرها الحياة بعد شهر ونصف, والدتي باعت كل ما بحوزتها؛ حتى أسطوانات الغاز لتدفع ايجارات المنزل، وتسدد ولو جزءً بسيطا من الديون التي كانت على والدي”.

بين المنح والمحن

تلقت أسرة الطفل”محمد” مساعدات على مدى الأشهر القليلة التي عقبت وفاة ربها، والخسارة التي مني بها مشروعه التجاري الصغير, لكن مع تتالي الأيام بدأ الكثير من الأقرباء واصدقاء والد الطفل, يكفون ايديهم عن المساعدة, ما اضطره إلى العمل في عدة مهن, ولعل “اقتلاع محاصيل البطاط”, هي أولاها التي عمل بها عقب وفاة والده, لكنه تعرض للمضايقات بعد عدة أيام، لينصرف نحو جمع العلب الفارغة وبيعها, لكن ذلك لم يسد الاحتياج؛ ومع تنامي مطالب أسرته, اتجه الى بيع الآيسكريم والمثلجات, ثم السمسم، ثم بيع الماء في الخطوط الرئيسية بضواحي مدينة ذمار, لينتهي به المطاف “متسولاً” في أسواق القات والتجمعات السكانية وملتقى الشوارع الرئيسية.

مهنة وامتهان

“يوم أحصل على الفين ريال ويوم على خمسمائة ريال فقط” فالأمر متروك لمزاجية الناس ومدى سخاء ايديهم, وقبلها لتسخير الله سبحانه وتعالى, ” الناس “معدبش” فيهم رحمة” قالها الصغير, واصفاً مواقف الناس مع الفقراء واليتامى.. ولست من الذين يشغلون الناس، أنا اقول لهم “لله”، اذا جاب لي تمام.. مافيش أمشي لي.

صديق مقرب للطفل هو ما استقطبه لإمتهان التسول؛ إذ تعرف عليه عندما كان يبيع الماء للمسافرين, يومها كان ذلك الطفل الصديق يتسول في ذات المكان الذي يبيع فيه الطفل “محمد” الماء, “كنت اشقى طول النهار وما معي غير خمسمائة قرش, وهو يروح بخمسة ستة الف”.

استحسن فكرة أن يجعل من نفسه متسولا, ليبدأ المهنة في المكان ذاته, لكن نظرائه من بائعي الماء للمسافرين، ضربوه مع صديقه وطردوهما من المكان, بحجة أنهم تسببوا بنفور الزبائن.

حتى الآن لا تعرف والدتي اني “اتسول”, كل ما تعرفه إني أعمل في سوق الخضروات.

محطات مظلمة

برنامج”محمد” يبدأ باكراً وينتهي في المساء, ويحول العملات المعدنية التي جمعها طوال النار الى أوراق مالية في البقالات, ويعطي والدته تلك الأوراق النقدية على انها “الشقاء من سوق الخضروات”, أوهم والدته انه يعمل “حمالا” في ذلك السوق.

يتذكر جيداً وجوه كثيرة كانت تربطها صداقه مع والده, وفور وقوع أعينهم عليه, اشاحوا وجوههم عنه وكأنهم لا يعرفونه, الأمر الذي زاد من وجع قلب الصغير.

وسط هذا الكم الكبير والثقيل من الوجع والألم, هناك من ابتسم في وجه الصغير ومسح على رأسه وقدم له المساعدة, وقبل ذا وذاك دل فاعلي الخير الى منزلهم المهترئ الصغير الذي يشغل حيزا من فراغ الضاحية الجنوبية لمدينة ذمار.

مقالات ذات صلة