كفاح الصغار: طفولة تسد رمق الشيخوخة

ذمار أونلاين | تقرير خاص | نبيهة محضور:

يغادر شواطئ الحلم غارقا في دوامة الشقاء، يصارع حياة مثقلة بالوجع، نشبت مخالبها في طفولته الغضة، قبيل شروق الشمس يغادر منزله الممتلئ بالبؤس، تاركاً حلماً بين مرافئ عينيه بات صعب المنال.

“كان حلمي أن أصبح يوماً ما طبيباً، أعالج الفقراء والمعدمين أمثالي، يستهويني المعطف الأبيض الذي يرتديه الأطباء، تمنيت أن اتدثر به يوما من الأيام، لكن هذا الحلم لن يتحقق أبدا”. هكذا وصف عبد الرحمن حلمه وهو يتحدث بأسى، عبد الرحمن طفلاً في ربيعه الثالث عشر، ترك مقاعد الدراسة وهو في الصف الرابع أساسي ليتحمل مسؤولية أسرة باتت رهينة الجوع والفقر، بعدما تخلى والده عن مسؤوليته حينما غاب عقله عن العالم أو هكذا أراد، ليقبع سجيناً بين جدران حجرته منذ سنوات، تاركاً زوجته وأبنائه يسحقهم الجوع والفاقة.

“والدي يعمل في الجامعة، كانت حياتنا مستقرة، لم يكن ينقصنا شيء حتى توقف راتبه، ذلك الراتب كان وسيلتنا للحياة، من خلاله كان والدي يوفر كل احتياجاتنا، تورمت قدماه وهو يبحث عن عمل أخر، لم يجد، تراكم ايجار المنزل وديون البقال ولم يستطع والدي توفير متطلباتنا حتى بتنا لا نجد “اللقمة ” التي تسد جوع بطوننا، تركنا ذلك المنزل الفسيح الذي كنا نسكنه وانتقلنا للسكن في قبو مظلم بلا نوافذ، منزل جدي القديم القابع في أحد أزقة ذمار القديمة قريباً من سوقها الشعبي، تغيرت حياتنا للأسوأ وتغيرت معاملة والدي لنا بطريقة لم نعهدها من قبل، صار قاسياً ينهال علينا ضرباً، حتى والدتي لم تسلم من سياط يديه ولسانه، الحرب والفقر غيراه “أبي ما كنش هكذا أبدا”.

يضيف الصغير: “وعندما لم يحتمل أبي ضنك المعيشة اعتزل العالم وسجن نفسه في غرفة صغيرة، وتركنا نصارع الحياة”. كلمات عبد الرحمن مليئة بالحزن، يرسل نظراته نحو المجهول وهو يصف حياة لم يألفها تعصف به وبأسرته، والدته الأربعينية لم تتردد عن العمل في اي شيء حتى خدمة الأسر الغنية لتعود إليهم بما يسد رمقهم ويسكت صراخ أمعائهم.

“كنت أتألم وأنا أرى أمي تكابد من أجلنا، تعمل في بيوت الأخرين، تنظف دورهم، تخبز لهم، لتعود إلينا منهكة القوى، شاحبة الوجه، تقدم لنا فتات طعامهم، تستحثنا على تناوله مرددة: “جعلي مكسر قد انتو جاوووعين”، احمرت عيناه ومسح دمعة كادت أن تسقط وهو يتحدث بحرقة عن أمه وكفاحها لأجلهم.”

تخلى عبدالرحمن عن حلم كان يراوده ليل نهار يسكن وجدانه، غادر صفوف الدراسة التي تميز في سنواتها بعد أن عجزت والدته توفير حقيبة مدرسية وبعض دفاتر واقلام، وبعد أن اشتد الجوع بأسرته التي كانت تنام بلا عشاء وتستيقظ بلا افطار الا من بعض لقيمات يجود بها الجيران عليهم، توجه إلى السوق المركزي وعمل حمالا لنقل سِلل الخضار من على الناقلات، عملاً تجاوز عمره ومقدرته، يخرج إليه بعد صلاة الفجر ليعود إلى أحضان منزله التاسعة مساء، يدس ألف وخمسمائة ريال في كف أمه، هي حصيلة يوم أحرقت الشمس جسده، بالكاد تكفي وجبة طعام لوالدين وستة أطفال، تحمل عبد الرحمن مسؤولية اعالتهم، لم يعد يعرف معنى اللعب ولم تعد الطفولة تعرف طريقاً إليه.

“كان لابد لي أن أعمل، أن اعاون والدتي المغلوبة على أمرها خاصة بعد غياب أخي الأكبر الذي لم نعد نعلم عنه شيء منذ سنتين، لقد غيبته الحرب كما غيبت الكثير، وبعد أن تناسانا أعمام لنا لم يتذكروا فضال والدي عليهم في سنوات مضت، تركت المدرسة لأبحث عن عمل يطفئ لهيب الجوع في بطون أخوتي الصغار”. هكذا ختم عبد الرحمن كلماته الممزوجة بالألم، وهو ينظر إلى بضع ريالات مهترئة بين يديه، كانت ثمن حلم ذبل في عينيه المسكونتان بالوجع .

مقالات ذات صلة