عمال الأجر اليومي في ذمار بين مطرقة الجوع وسندان كورونا

تقرير خاص لـ ذمار أونلاين

لا يعرف “محمد صلحي قنام” وهو بائع خناجر يمنية تقليدية – جنابي – متجول، كيف سيكون الوضع خلال الأيام المقبلة, وسط استمرار وباء فيروس كورونا في الانتشار بين اليمنيين، لكن الذي يعرفه جيداً ان خطر الموت جوعاً، اشد من خطر الموت بـ”كورونا”.

لدى هذا الرجل الخمسني أسرة يصل عددها الى ثمانية اطفال، جلهم من الفتيات، ويعولها ببيع الجنابي للزائرين ومتسوقي السوق القديم وسوق الربوع، والذين يأتون في الغالب من الأرياف لشراء حاجياتهم.

يتنقل بين الأزقة الضيقة للسوق القديم بمدينة ذمار، ويعرض بضاعته – الجنابي- على من يجده امامه، معدداً محاسن هذه وصفات تلك، ومن الصعب ان يجد من يشتري منه بدون ان يدخل معه في مفاوضات على سعرها، تستمر طويلاً.

وقال لـ(ذمار اونلاين): الجنابي، شيء جميل للإنسان اليمني، لكن أصبح ايجاد زبون امر صعب، لأن زبائن السوق القديم وسوق الربوع اصلا المتسوقين قليل باستثناء أيام الأعياد والمناسبات ويوم الأربعاء من كل أسبوع. مضيفاً: هذا عملي بيع الجنابي للناس، ويوم ابيع ويومين لا، والذي احصل عليه اشتري به مقاضي- متطلبات المطبخ- للبيت، واذا توقفت يوم او يومين، لا اجد اي شيء ناكله.

محمد ، موظف حكومي، اضطر أن يخرج للعمل بعد توقف الرواتب للعام الثالث على التوالي، لذا يجد الأمر غاية في الصعوبة أن يفكر في فيروس كورونا وينسى اطفاله الثمانية, الذين يتنظرون منه الكثير.

ليس هذا الرجل الخمسيني وحده، بل كذلك عامل في محل لبيع الملابس النسائية بشارع صنعاء تعز، يدعى “فضل” يرى أن كورونا أنهى أي أمل لحياة اليمنيين بشكل مستقر، وقال : مع إعلان أول حالة في اليمن، تغيرت الأوضاع بشكل كبير وسط مخاوف من انتشار الفيروس بشكل أكبر، وكل يوم اكلم نفسي في حال اغلق المحل اين ساذهب؟ وكيف سأعيش بدون عمل؟.

تلك التساؤلات التي رمى بها الشاب العشريني الذي ينحدر من احدى المناطق الريفية بمديرية وصاب العالي، يتقاسمها الآلاف من العاملين بالأجر اليومي، والذين بالكاد يجدون قوت يومهم، لتتفاقم اوضاعهم لتكون اكثر سوداوية عن ذي قبل.

فضل، توفي والده قبل عدة سنوات، واضطر ان يواجه الظروف المعيشية منفرداً متحملاً مسؤولية اربعة اخوان ووالدته، بدأ حياته الجديدة في بيع المثلجات لكن دخول بعض الآلاف من الشباب مؤخراً قلص كثيراً هامش الربح الذي كان يحصل عليه, لينتقل الى محل لبيع الملابس يمتلكه احد اقرباء والدته. النضال اليومي، للعاملين بالأجر اليومي والعاملين في مهن هامشية، هو ما يبقيهم وأسرهم على قيد الحياه، وبعيداً عن ذل السؤال ومهانة مد اليد، مع ذلك، ربما، سيكونوا ضحايا جدد لهذا الفيروس المخيف.

“تعتمد الآلاف من الأسر اليمنية في قوتها الضروري على الأجر الزهيد الذي يحصل عليه اقربائها – اباء، ابناء، اشقاء- اثر عملهم في مهن بسيطة، وتستلزم جهد اكبر ووقت اطول في انجازها”، قال الباحث الاجتماعي أحمد المرامي.

واضاف في حديث لـ(ذمار اون لاين): العاملين بالأجر اليومي، وضعهم بائس تماما، وهم الفئة التي تضررت كثيراً جراء الحرب، واضيف اليها عشرات الآلاف من الاشخاص بعد تفاقم الأوضاع المعيشية بسبب الحرب وتوقف الرواتب وتدني الدخل بشكل كبير. مشيراً ان البطالة تهدد السواد الاعظم، سيناريو الموت جوعاً، سيناريو يمكن ان يتوسع ليشمل المئات من الاسر اليمنية في حال تم تطبيق حجر صحي ومنع للتجول.

ويعتقد المرامي أن كورونا خطر يحدق بحياة اليمنيين، لكنه اخطر بشكل كبير على الفئات متدنية الدخل، التي لا تجد ثمن الغذاء او الدواء، وبالكاد تجد وجبتها التالية. مضيفاً: النازحين، اسر العاملين في البسطات والاجر اليومي والباعة المتجولين وعمال المطاعم والفنادق واصحاب المشاريع الصغيرة، كيف سيكون وضعهم، ومن سيوفر لهم الاكل والشرب ومتطلبات الحياة الأساسية، حتما لا احد، لذا هم أمام خطرين “كورونا والجوع”.

وخلال الاسبوع الماضي، أعلن برنامج الغذاء العالمي، تقليص الدعم المقدم لمئات الآلاف من الاسر الفقيرة والنازحة في مختلف المدن اليمنية، والذي كانت تحصل عليه تلك الاسر على هيئة مساعدات غذائية شهرية. هذا التقليص جاء – وفق البرنامج- بعد توقف الدعم المالي والتعهدات المالية التي كان يحصل عليها من قبل الدول المانحة والمنظمات الدولية العاملة في هذا الشأن، ليقتصر تقديم المساعدات الغذائية على فترات متقطعة تشمل شهر وتوقف الاخر، وهكذا ، حتى يعود تدفق التمويل.

وفي حال انشغل العالم بمعركة مواجهة “كورونا” سيتوقف الدعم تماماً، وستكون تلك الاسر في مواجهة حتمية مع خطر جديد هو: الجوع، والتي تقول الأرقام انه بات ضيفاً مستمراً لدى جزءا كبيرا من اليمنيين.

مقالات ذات صلة