هاتف ذكي ينقذ عائلة يمنية من الجوع

“إن وصلت إلى طريق مسدود، اقوم برهن هاتفي لصاحب البقالة، كي أحصل على لقمة عيش تشبعني وأطفالي، احيانا أقوم برهنه ليوم او يومين او ثلاث او حتى أربعة أيام، إلى أن أتمكن من قضاء الدين عبر أي عمل يومي أحصل عليه”.

هكذا يصف فارس البدري (38 عاما)، يمني عاطل عن العمل، كيف يتمكن من إطعام عائلته في حال لم يتمكن من الحصول على أي مصدر دخل يمكنه من شراء الطعام والمستلزمات الأساسية لأسرته، المكونة من زوجه وطفلين.

قبل إندلاع الحرب في اليمن، كان فارس يعمل حارس أمن، في قطاع حكومي بمنطقة معين شمال العاصمة صنعاء، ويتقاضى مرتبا شهريا يصل إلى 40 ألف يمني (حوالي 80 دولار) مكنه من بناء أسرة.

يقول فارس :”كنت واثقاً حينها من قدرتي على إطعام زوجتي وأطفالي، أنا لم أقدم على الزواج حينها إلا بعد أن حصلت على وظيفة تمكنني من فتح بيت وبناء أسرة، ولولا ذلك لما كنت سأتزوج أو أنجب أطفالا”.

عاش فارس البدري مع أسرته باستقرار لمدة ست سنوات، حيث كان يتسلم مرتبه الحكومي بانتظام، إلى أن اندلعت الحرب في اليمن وغيرت حياته رأسا على عقب.

في السادس والعشرين من آذار/مارس 2015 بدأت قوات التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية عملياتها العسكرية في اليمن لمساندة القوات الحكومية الموالية للرئيس عبدربه منصور هادي، بهدف إيقاف تمدد جماعة انصار الله الحوثيين.

لقمة العيش

العديد من اليمنيين باتوا يبحثون عن لقمة العيش ويحملون على عاتقهم هذا الهم بعد انقطاع مرتباتهم منذ أكثر من عامين.

احمد سعيد شماخ، الخبير الاقتصادي ورئيس مؤسسة الأعلام المالي والاقتصادي للدراسات، يقول: ” تم احتساب بعض اليمنيين كجزء من جماعات معينة موالية لسياسات معينة من كل الأطراف واُسقطت رواتبهم في صنعاء او في عدن او في تعز على الرغم من انهم موظفين رسميين، وكان من المفترض ان يستلموا رواتبهم مثل نظرائهم”

وحسب ما افاد خالد محمد شرف الدين نائب رئيس هيئة الاستثمار في صنعاء، فقد انقطعت المرتبات عن نحو مليون موظف حكومي يعيلون نحو تسعة ونصف مليون فرد.

لم يعد فارس يحصل على مرتبه بشكل كامل ومنتظم في كل شهر، بل اصبح يحصل على نصف راتب (20 الف ريال يمني) كل ثلاثة أشهر، وهذا المبلغ لا يكفي ابدا في تغطية مصاريف أسرته، حد تعبيره.

اضطر فارس إلى البحث عن عمل آخر يمكنه من الحصول على لقمة العيش التي ستحميه وأسرته من الجوع، إلا أنه يتمكن من ذلك.

يقول فارس :”بدأت القيام بأعمال حره، مثل السباكة والطلاء ولكني قد أعمل يوم وأيام لا أجد أي زبون”، مشيراً إلى أن الأزمة الاقتصادية التي تشهدها البلاد، أثرت على معظم الناس، فلم يعودوا يهتموا بالبناء أو تجديد منازلهم، فيما عدا أعمال الصيانة الخفيفة إن كانوا مضطرين لذلك او اذا كانوا ممن لم تأثر عليهم الأزمة الاقتصادية “وهؤلاء نادرون”.

يحتاج فارس لإطعام أسرته وتوفير مستلزمات الحياة اليومية، نحوألفين ريال، وفي بعض الأحيان خمسة ألاف ريال، في حال رغبت الأسرة بشراء دجاجة للغداء، ما يعني أنه بحاجة إلى نحو 60 الف ريال في الشهر حوالي (107 دولار).

يقول فارس :”أحيانا أحصل من عملي الحر على خمسة إلى ستة الآف ريال كل أسبوعين إلى ثلاث أسابيع، أحاول قسمتها بين مصاريف البيت ومصاريف الأطفال”.

في أحيان كثيرة يضطر فارس على رهن هاتفه الذي لا يتعدى قيمته الثلاثة ألاف ريال في البقالة كي يتمكن من اقتراض بعض المستلزمات، :”واسترده فور تسديد الدين، ومن ثم أرهنه مجددا في حال احتجت إلى المصاريف .. وهكذا تمضي أيامي”، يضيف فارس.

ويتابع :”هاتفي هذا هو خط دفاعي الأخير ضد جوعي وجوعي عائلتي”.

مواجهة الحياة بلا راتب

في السابق، كان فارس يستطيع تأمين نفقاته الشخصية ونفقات أسرته من راتبه الحكومي ومن الاعمال الإضافية التي يعمل بها، مثل السباكة والطلاء. اما الان وفي ظل انقطاع راتبه يمر فارس بوقت عصيب عند محاولته تأمين حياة كريمة لعائلته.

أشد ما يعانيه فارس في ظل إنقطاع مرتبه هو عدم قدرته على توفير إحتياجات طفليه الاثنين ملاك وأمير.

يقول فارس: “تمنيت أن لا يكون لدي أطفال في هذا الوضع، أشعر وكأن طفلي أمير يطعنني عندما يقول لي يا بابا أشتري لي عصير، في حين أني لا استطيع أن أشتري له شيء”.

وتتكرر نفس المعاناة مع طفلته ملاك “إبنتي ملاك تتمنى أن تحصل على ملابس جديدة، تقول يا بابا اشتري لي حذاء .. اشتري لي ملابس، ملابسها ممزقه، ولكن ..” يتوقف فارس عن الحديث وقد بدت ملامح الحزن على وجهه.

يتابع فارس حديثه :”والله العظيم إنها مأساة، أستلفت ورهنت هاتفي وقمت ببيع الكثيرمن أغراض المنزل، إلى جانب ذهب زوجتي ..ماذا بعد ” يتساءل فراس ..؟

تأتي أيام لا يستطيع فيها فارس اطعام ابنته ملاك وجبة الإفطار ليرسلها إلى المدرسة وبالتالي تُضطر ملاك الصغيرة إلى البقاء في المنزل بدون طعام.

بالنسبة لاحتياجات المنزل الأساسية مثل الكهرباء والماء وغاز الطبخ فهذه معاناة كبيرة أيضا، حد قوله :”منذ بداية الحرب في اليمن انقطعت خدمات توفير المياه والكهرباء الحكوميتان عن البيوت وارتفع سعر غاز الطبخ وأصبح الغاز سلعة نادرة ومكلفة”.

يقوم فارس بإحضار الماء لمنزله من السبيل. وهو عبارة عن خزان ماء يوضع في الشارع ويقوم فاعل خير بتعبئته بالماء بشكل يومي او شبه يومي ويأتي الناس لأخذ الماء منه لمنازلهم، اما بالنسبة للكهرباء فيحصل عليها فارس من شقيقه أنور أحياناً، واحيانا أخرى يحصل عليها من بطارية يقوم فارس بشحنها كل عشرة أيام في مركز صيانة البطاريات مقابل 3 الف ريال يمني.

يسكن شقيق فارس، أنور، في الشقة المجاورة له، ولكنه على عكس فارس موظف في قطاع خاص ويعمل ويحصل على مرتب شهري بشكل منتظم، ويمتلك المال لشراء الكهرباء من احدى شركات الكهرباء التجارية التي انتشرت في العاصمة صنعاء بعد انقطاع الكهرباء الحكومية.

يقول فارس :”عندما أحصل على القليل من المال فأني أخيّر اطفالي بين الحصول على طاقة الكهرباء من أخي بمبلغ 200 ريال يمني وهو ما سيمنحنا كهرباء تدوم لست ساعات خلالها سيتمكن أطفالي من مشاهدة أفلام الكرتون، أو بين شراء الحلوى وأكلها..ودائما ما يختار أطفالي مشاهدة أفلام الكرتون”.

حكومة عاجزة
حاولت الحكومة اليمنية تفادي العجز عن دفع الرواتب وعملت على طبع مبالغ نقدية كبيرة فاقت التريليون ومئتين مليار ريال دون غطاء نقدي حسب شماخ، ومع ذلك لازالت الحكومة عاجزة عن دفع الرواتب بشكل منتظم.

شماخ يوضح أن دفع المرتبات هي مسؤولية البنك المركزي في عدن (خاضعة لسيطرة حكومة الرئيس عبدربه منصور هادي، جنوب اليمن).

ويقول “بعد نقل البنك المركزي إلى عدن، التزمت الحكومة اليمنية بدفع المرتبات أمام الأمم المتحدة والمؤسسات المالية الدولية، ولكن للأسف أخفقت في هذا الجانب ولم توفر مرتبات الموظفين”، مؤكدا أن “اعلى سقف تستطيع الحكومة توفيره هو ما بين راتبين إلى راتبين ونصف في السنه (لكل موظف في القطاع حكومي)”.

ويشير شماخ إلى ان هناك مشكلة في التنظيم المالي في الوقت الراهن، حيث أن هناك أربعة بنوك مركزية في اليمن وهي موجودة في صنعاء وعدن وتعز وحضرموت وأن هذه البنوك لا تلتزم بتوريد إيراداتها للبنك المركزي الرسمي.

يضيف شماخ :” هناك متنفذين في الحكومة اليمنية يقومون باستغلال الاقتصاد اليمني لمصالحهم الشخصية ولا يهتمون بمعاناة المواطن اليمن”.

ويحصل المواطن اليمني على 25 بالمئة من مرتبه السنوي فقط، مايجعله من أفقر مواطن في العالم على الاطلاق، حسب ما أفاد شماخ.

ومع إستمرار انقطاع المرتبات وغلاء المواد الغذائية والمستلزمات الرئيسية للمعيشة نتيجة الأزمة الإقتصادية التي تشهدها البلاد، يستمر فارس برهن هاتفه لدى المحلات، حتى يتمكن من الحصول على ما يشبع به أطفاله، ومن ثم تسديد ديونه في حال رُزق بأي عمل يومي.

المصدر: موقع صوت إنسان

مقالات ذات صلة