ذمار ..الجوع في زمن وباء كورونا؟!

ذمار أونلاين | نبيهة محضور | خاص: (السبت: 25 يونيو 2020)

لم يكن العيد فرحة كما تمنوه، بل كان عيدهم ممزوج بالوجع والقلق والخوف حيث داهمت الحمى طاهر محمد ذو الخمسة والثلاثين عاما، في أول أيام عيد الفطر، حتى جعلته عاجزًا عن مشاركة أفراد أسرته وأبناء مدينته تلك الفرحة التي أعقبت ثلاثين يوما من صيام شهر رمضان.

ظهرت على طاهر الذي يعمل في عربة لبيع الخضروات في مدينة ذمار، علامات وباء كورونا، من سعال شديد وصداع وارتفاع درجة الحرارة.

كان طاهر يحتاج إلى الفحص الطبي والعلاج حتى يتعافى سريعاً، لكنه كان عاجزًا عن دفع تكاليف العلاج، ما أجبره على أن يعزل نفسه بمنزله المستأجر في حارة هران بمدينة ذمار والمكون من غرفتين صغيرتين، بعد أن أصبح طريح الفراش.

“سعال جاف لا يتوقف كنت أشعر انه يمزق صدري، وكنت أشعر بآلام كثيرة بجسدي .. كنت أشعر أنني سوف أفارق الحياة” بهذه العبارات الممزوجة بالحزن يصف لنا طاهر معاناته مع الضيف الثقيل.

لنحو شهر كامل بقي طريح الفراش، يصارع وباء كورونا، حتى تمكن من التغلب عليه، بعد أنهك جسمه التعب وكاد أن ينتزع روحه من بين أضلاعه.

يضيف طاهر الذي يعيل أربعة أفراد في حديثه لـ”ذمار أونلاين”، كانت حالتي الصحية تزاد كل يوم سوءًا، دون أن أحد أي علاج وليس هناك المال للذهاب الى المشفى، أو حتى لتوفير الطعام والشراب .. فأنا اعتمد على ما أجنيه في اليوم من بيع الخضار لتوفير مصروفات المنزل”

“بقاء زوجي بغير عمل يعني أن نموت من الجوع”

لم تجد زوجة طاهر وأطفاله الثلاثة ما يؤكل في المنزل الذي كان قد أصبح خاليا من كسرة خبز أو كيلوغرام من الدقيق أو الأرز، وحده الماء الذي كان يروي ظمأهم، على مدار ثلاث أيام.

تقول زوجته سميرة علي، ذات الثمانية والعشرين عاماً، ” نحن ناس متعففين، لا يمكن أن نمد أيدينا لأي شخص حتى لأهلنا.

أيام عصيبة مضت علينا كنت أتألم وأني أرى زوجي يصارع المرض والحمى تحرق جسده . كنت أبلل قطعة قماش بالماء وأضعها على جبينه هذا ما أقدر على فعله”

لم نكن نستطيع أن ننقله الى المستشفى ولم يكن بمقدورنا شراء الأدوية حتى الطعام الكافي الذي كان سيقوي مناعته ويشد جسده، لم يكن متوفر. لقد بقينا لأيام بغير طعام بعد أن نفذ ما لدينا”.

كانت حياتهم جيدة قبل تفشي وباء كورونا، وكان طاهر يعود غالبية الأيام محملاً بالطعام والخضروات، لكن وباء كورونا حرمهم من لقمة عيشهم بعد أن جعله لأسابيع كثيرة عاطلا عن العمل.

تطرق سميرة برأسها إلى الأرض، بعد أن رسم الجوع تجاعيد المشيب على وجهها الشاحب قل أوانه، ثم تختم حديثها لنا بصوتها المبحوح، ” الجوع أسوأ من كورونا .. يعمل زوجي بالأجر اليومي وبقائه بغير عمل يعني أن نموت أني وأطفالي من الجوع”.

ويحتاج 80‎%‎ من السكان في اليمن البالغ تعدادهم نحو ثلاثين مليون نسمة، إلى المساعدات الإنسانية والاغاثية للبقاء على قيد الحياة، بحسب الأمم المتحدة .

ويعيش عشرة ملايين شخص في اليمن على بعد خطوة واحدة من المجاعة، وسبعة ملايين آخرين يعانون من سوء التغذية، بالإضافة إلى أن نحو ١٢ مليون شخص يقدم لهم الغذاء العالمي المساعدات شهريا، وعلى الرغم من ذلك فإن نحو ١٦مليون ينامون جوعى في البلاد.

يعمل عبدالله الذماري، (٤٥ عاما)، عسكرياً في القوات اليمنية، كانت حياته وأسرته مستقرة، ويغطي الراتب احتياجات منزله، لكن الحرب التي تشهدها البلاد منذ خمس سنوات حرمته من راتبه ومصدر رزقه.

“فمنذ ثلاث سنوات لم يتسلم نحو مليوني موظف في اليمن مرتباتهم، ويعيشون ظروف إنسانية واقتصادية صعبة، الأمر الذي أجبر غالبيتهم على العمل في مهنة شاقة غير تخصصاتهم لتوفير لقمة العيش”.

بعد أن ترك عبدالله الذي يعيل سبعة أفراد وظيفته يخرج إلى السوق بمدينة ذمار قبل شروق الشمس للبحث عن أي عملٍ حتى يوفر الطعام لأسرته.

يومًا يعمل حمالًا وأيام أخرى يعمل في البناء، يعود فارغ اليدين في الكثير من الأيام، عندما لا يجد عملًا يسد من خلاله رمق أسرته.

يشرح لنا عبدالله كيف حولت الحرب حياته إلى جحيم وفاقم فيروس كورونا من معاناته.

“كنت أعمل في إدارة الأمن منذ عدة سنوات وكانت حياتي جيدة، لكن جاءات الحرب وقلبت حياتي رأسًا على عقب، حيث أصبحت بحاجة إلى الريال. بعت كل مقتنياتي الثمينة حتى أوفر الغذاء على أمل أن تتوقف الحرب. والآن أصبحت أعمل حمالاً مقابل أجر يومي لا يزيد عن ١٥٠٠ ريال، (ثلاثة دولارات)”.

يتابع في حديثه، لـ”ذمار أونلاين” “ومع تفشي فيروس كورونا أصبحت أخشى من الخروج الى السوق وتوقفت الكثير من الأعمال. الكثير من الأيام أعود الى المنزل وقت الظهيرة بعد ساعات طويلة من البحث والجلوس على الرصيف”.

حال عبدالله كحال الكثيرين من أبناء ذمار الذين فقدوا مصادر دخلهم بسبب الحرب وتبعاتها ناهيك عن توقف مرتبات الموظفين، لتتسع بذلك دائرة الفقر حتى تشمل الغالبية العظمى من سكان المحافظة بسبب البطالة وارتفاع أسعار المواد الغذائية بنسبة كبيرة.

ويجلس على رصيف البطالة في اليمن 80‎%‎‎ من نحو 13 مليون عامل، بعد ان فقدوا وظائفهم وأعمالهم، بسبب الحرب، ثلاثون بالمائة منهم من الموظفين الحكوميين الذين لم يتسلموا مرتباتهم منذ نحو ثلاث سنوات.

وفيات بشكل يومي!!

تشهد مدينة ذمار منذ عدة أسابيع تفشٍ كبير لوباء كورونا، وبحسب حديث شهود عيان فإن المقابر في المحافظة تستقبل وفيات كل يوم بشكل غير معتاد غالبيتهم ضحايا للوباء.

ورغم حالات والوفاة المستمرة إلا أن السلطات اليمنية بالعاصمة صنعاء ترفض التصريح حول عدد المصابين أو الوفيات، جراء وباء كورونا، مشيرة إلى أن ذلك يأتي في سياق الحفاظ على الصحة والسلامة النفسية لأفراد المجتمع حتى لا يصابوا بالهلع والخوف والذي قد يؤدي الى نقص المناعة لديهم والتسبب بوفاتهم، بحسب ما صرح به وزير الصحة والسكان في حكومة “أنصار الله” الحوثيين، طه المتوكل.

وتشهد اليمن انهيارا كبيرا في القطاع الصحي حيث دمرت الحرب ما نسبته ستين بالمئة من المنشآت الصحية، ما جعلها عاجزة عن مواجهة فيروس كورونا، ناهيك أن معدل الوفيات في اليمن بسبب الفيروس أعلى بأربع مرات من المستوى العالمي حسب الأمم المتحدة.

وفي ظل الأوضاع غير المستقرة التي تشهدها البلاد، يبقى المواطن الذماري عرضة للإصابة بوباء كورونا نتيجة انعدام المستلزمات الوقائية الضرورية وغياب التعقيم المستمر للشوارع والأحياء السكنية، ناهيك عن التساهل واللامبالاة من قبل كثير من السكان، كما أن الجوع يدفع بالسكان الى الخروج بحثا عن لقمة العيش.

مقالات ذات صلة