البردوني لسان اليمن في الحاضر والمستقبل

ذمار أونلاين | نبيل حُميد | خاص:  (الأربعاء: 2 سبتمبر  2020)

يُنسب الشاعر اليمني الأشهر عبدالله البردوني إلى قرية صغيرة تسمى البردون، شرق مدينة ذمار، التي ولد فيها العام ،1929، دون أية إعاقة، لكن عندما بلغ الخامسة من عمره سلب مرض الجدري الذي كان منتشر في تلك الاونة بصرة ولكنه لم يسلبه بصيرته.

شق هذا الطفل طريقه في الظلام ببصيرته النيرة وعقله الذكي وفضوله في البحث والمعرفة وذاكرته الحافظة، تمرّد على القدر الاجتماعي الذي يفرض على من فقد بصره أن يفقد أي طموح آخر سوى أن يصبح مقرئاً للقرآن.

فتلقى تعليمه الابتدائي في قرية البردون، وهو تعليم أولي يقوم على تعلم الحروف وحركاتها، ثم درس ثلث القرآن، وانتقل إلى قرية المحلة في ناحية عنس، جنوب شرق مدينة ذمار، فتعلم هناك أجزاء أخرى من القرآن.

عندما بلغ التاسعة انتقل إلى مدينة ذمار ليكمل تعلم القرآن، ومن ثم إلى (المدرسة الشمسية) بذمار، وفيها تعلم القراءات السبع، ومع بلوغه الثالثة عشر بدأ يقرأ كل ما يقع بين يديه من الشعر ويترنم به، ثم ارتحل إلى العاصمة صنعاء، وفي الجامع الكبير درس لأشهر على يد بعض الشيوخ.

حصل البردوني على إجازة من دار العلوم ليُعين بعدها مدرساً للأدب العربي ومن ثم تقلد الكثير من المناصب في المؤسسات الحكومية.

نشأ البردوني في بيئة قاسية وفي ظروف اجتماعية وسياسية وتاريخية صعبة، عن هذه المسيرة الطويلة الكادحة والمناضلة كتب شعراً:

مُذ بدأنا الشوط جوهرْنا الحصى..
بالدم الغالي وفردسْنا الرمالْ
واتَّقدنا في حشا الأرض هوىً..
وتحولنا حقولاً وتلالْ
من روابي لحمنا هذي الرُّبا..
من رُبا أعظمنا هذه الجبال

اتسم البردوني بحس السخرية اللاذع وله طرائف عديدة يرويها المقربون منه، وترك لنا أكثر من أربعمئة قصيدة واثني عشر ديواناً مطبوعاً: من أرض بلقيس، في طريق الفجر، مدينة الغد، لعيني أُم بلقيس، السفر إلى الأيام الخضر، وجوه دخانية في مرايا الليل، زمان بلا نوعية، ترجمة رملية لأعراس الغبار، كائنات الشوق الآخر، رواغ المصابيح، جوَّاب العصور، رجعة الحكيم ابن زايد. وله ثماني دراسات أدبية: رحلة في الشعر اليمني قديمه وحديثه، قضايا يمنية، فنون الأدب الشعبي في اليمن، اليمن الجمهوري، الثقافة الشعبية- تجارب وأقاويل يمنية، الثقافة والثورة، من أول قصيدة إلى آخر طلقة- دراسة في شعر الزبيري وحياته، أشتات، إضافة إلى أعمال أخرى كانت مخطوطة وجاهزة للنشر وحال دون نشرها عدة أسباب أهمها العائق المادي وتقصير الدولة ممثلة بوزارة الثقافة،

يذكر الدكتور عبدالعزيز المقالح أنّ رحلة البردوني الشعرية انتقلت من الكلاسيكية إلى السوريالية واستقر حيناً عند الرومانتيكية، ثم عاد إلى الكلاسيكية الجديدة، “ورغم تمسكه بالقصيدة العمودية والإيقاع الكلاسيكي، فإنّ صوره وتعابيره الشعرية حديثة كما أنّه جدد في محتويات قصائده وفي بنائها “القائم على تحطيم العلاقات اللغوية التقلدية، وابتكار جمل وصيغ شعرية نامية”، كما تميَّز شعر البردوني بالقصص الشعري والحوار والدراما، بخاصة في دواوينه الأخيرة.

خاض البردوني خلال مسيرته الأدبية معارك عديدة، فتعرض للاعتقال والمؤامرات والتجاهل المتعمد؛ فكان أول اعتقال له في العام 1949 بعد اغتيال الإمام، يحيى بن حميد الدين، لكن نجله الإمام أحمد نجح في وأد الثورة بدهائه، ونكـَّـل برموزها وسجن البردوني بسبب شعره اللاذع تسعة أشهر؛ ولكن السجن لم يثنيه أو يضعف عزيمته بل ظل يناضل بشعره الى ان امر الامام احمد بن حميد الدين بسجنه مرة أخرى في العام 1953 حتى يصدح بقصيدة يقول فيها.

عيد الجلوس أعِرْ بلادك مسمعاً.. تسألك أين هناؤها هل يوجدُ؟
تمضي وتأتي والبلادُ وأهلها.. في ناظريك كما عهدت وتعهدُ
يا عيدُ حدِّث شعبك الظامي متى.. يروى وهل يروى وأين الموردُ؟ فيمَ السكوتُ ونصفُ شعبك هاهُنا.. يشقى، ونصفٌ في الشعوبِ مشردُ؟

كان بإمكان البردوني أن يصبح ثرياً لو أنّه تقرب من السلطة، لكنه فضل الزهد عن كل الماديات، وهو ما تشهد نماذج عديدة في سيرته، منها أنّه أصرّ على صرف المبلغ الذي حصل عليه من جائزة العويس من أجل نشر كتبه وتوفيرها بأرخص ثمن لمحبي شعره وأدبه.

يُستدعى البردوني كلما ألمَّت باليمن فاجعة؛ فكثير من قصائده تحمل معاني ودلالات تجعلها صالحة لكل زمان ومكان، خاصة وأنّ اليمن تجتر تاريخها ومع كل تكرار للفواجع يجد اليمنيون في قصائد رائي اليمن عزاءهم وسلواهم فيظلون يرددونها كمعجزات يعتقدون أنّها سبقت الحدث وتنبأت بالمستقبل. من أكثر تلك القصائد استدعاءً قصيدة “تقرير إلى عام 71” وفيها تقرير شعريّ عن ثورة 26 أيلول (سبتمبر) 1962 وما تلاها من تداعيات، لكن مضمونها ينطبق على ثورة (فبراير) 2011 إلى درجة تدعو للدهشة:

والأُباة الذين بالأمس ثاروا.. أيقظوا حولنا الذئاب وناموا
حين قلنا قاموا بثورة شعبٍ.. قعدوا قبل أن يروا كيف قاموا
ربما أحسنوا البدايات لكن.. هل يحسون كيف ساء الختام.

ونال البردوني العديد من الجوائز المحلية والدولية منها جائزة أبي تمام في الموصل، 1971، جائزة أحمد شوقي 1981، جائزة اليونسكو من الأمم المتحدة 1982، جائزة مهرجان جرش 1984، جائزة العويس 1993، كما كُتبت حول شعره العديد من الدراسات النقدية والادبية.

مقالات ذات صلة