الرعاية والدواء ضد كورونا..الرجال أولاً

ذمار أونلاين | صقر أبو حسن      (الإثنين: 28 ديسمبر 2020)

تحمل “أمريه” في ذاكرتها، تفاصيل مؤلمة عن فترة إصابتها بفيروس “كورونا المستجد”، فقد اقتربت كثيراً من حافة النهاية، عندما اشتد بها المرض، جلب لها شقيقها الأوسط مجموعة أدوية وعقاقير بينها أقراص “فيتامين سي” على أن تستخدمها في المنزل، لمقاومة الفيروس الذي كان يعبث بجسدها.

أمريه، فتاة في الرابعة عشر، لم تحصل على حقها في العلاج، كما لم تحصل سابقاً على حقوقها في التعليم، فقد دفعتها ظروف الحياة وضغط أسرتها إلى رعي الأغنام في جبال قريتها النائية، وطوال سنوات عمرها لم تحصل على أي فرصة جيدة للحلم.

وقالت: اشتد مرضي عندها نقلني أبي وشقيقتي إلى مستشفى بمدينة ذمار، وعندما سمعوا تكلفة البقاء في المستشفى – مركز العزل- رفضوا، وأخرجوني، وبقيت في منزل عمي – شقيق أبي- عدة أيام حتى بدأت أتماثل للشفاء. تسرد تلك التفاصيل باقتضاب، لكنها تضيف بانكسار “سمعت أبي يتجادل مع الطبيب عندما أخبره أن حالتي خطرة ويجب أن أبقى في العزل، ويقول له: “ايش بتفعل لي؟ بترعى شوية غنم، أو عتتوظف وتجيب الراتب لي، لما اجيب هذه الزلط كلها، تموت في البيت أحلى لها ولنا”.

 

 

لا تمتلك الفتاة الصغيرة غير الانصياع لخيارات أقربائها، فقد كانت تكاليف بقائها تحت الرعاية الصحية بمركز العزل، تتطلب مبالغ مالية كبيرة، في نظر أبيها، قد لا تستحق أن تدفع مقابل صحتها، أخبرتها شقيقتها لاحقاً ان سبب رفض دخولها العزل الصحي: أنها فتاة ولا يصلح أن تبقى وحيدة بين الرجال – طاقم عمل المركز- ورددت بحسب – أمريه – عبارة: “ماذا سوف يقول علينا الناس؟”، ما جاء من الباري حيا به موت أو شفاء، كأن شفاء رسم في وجدانها حزن عميق، قد يرافقها طول حياتها.

 

محاذير اجتماعية

ثلاث من أكبر المستشفيات الأهلية بمدينة ذمار، كانت قد استحدثت كمراكز للعزل الصحي، حصل منها معد المادة على إحصائيات لثلاثة أشهر “مايو، يونيو، يوليو”، أكدت تلك الإحصائيات أن عدد الذكور الذين تم استقبالهم في غرف الرقود في تلك المراكز 35 ذكر و12 امرأة.

وقال طبيب في مستشفى أهالي مدينة ذمار- فضل عدم الكشف عن هويته- أن المحاذير الاجتماعية التي ترى أن “المرأة عيب” كانت تقف حائل أمام تلقي النساء للعلاج خصوصاً الشابات منهن.

موضحاً أن المجتمع ما يزال مغلق إلى حد ما في مسألة علاج المرأة في المرافق الصحية، وتفضيل علاجها في المنزل خاصة أثناء الجائحة.

مشيراً أنه استقبال العشرات من الحالات التي كانت تحمل ذات أعراض الإصابة بفيروس كورونا المستجد طوال ذروة الجائحة، والكثير منهم كانوا يغادرون للعلاج في المنزل بسبب ارتفاع تكاليف العلاج والعزل في المرافق الصحية الخاصة.

وبين الطبيب أن ارتفاع تكاليف العلاج في المراكز التي افتتحت في المستشفيات الخاصة كانت أحد العوائق التي كانت تمنع دخول بعض المواطنين مراكز العزل الصحي. مضيفاً بالقول: تكاليف البقاء في العزل الصحي ليوم واحد تتجاوز خمسين ألف ريال، وهو مبلغ كبير بالمقارنة مع مستوى دخل أغلب الأسر في ذمار.

وتشير المعلومات إلى وجود أعداد كبيرة من المواطنين الذين أصيبوا بفيروس “كوفيد 19” في محافظة ذمار، لكن لم نستطع الحصول عليها والتأكد منها.

وعلى مدى ثلاثة أيام أجرى معد المادة 13 اتصالاً هاتفيا، مع مسؤولين في جهاز الترصد الوبائي ومكتب الصحة بمحافظة ذمار والإعلام الصحي، للحصول على أرقام حول عدد من خضعوا للعزل الصحي في المستشفيات الأهلية بذمار، لكنه لم يصل الى أي معلومة.

مركز عزل وحيد

وخُصص أحد المباني التابعة لمستشفى الوحدة التعليمي الجامعي ليكون مركز عزل صحي محوري ضمن أربعة مراكز خصصتها وزارة الصحة العامة بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية، استعدادا لمواجهة جائحة كورونا.

استقبل منذ بداية شهر مايو وحتى أكتوبر٢٠٢٠ نحو 200 حالة منها خمسين امرأة، أغلبهن تجاوزن الخمسين عاماً.

وقال عبد الله السماوي المدير الفني للمركز، أن العاملين في المركز يصل عددهم إلى 100 شخص من أطباء وفريق مساعد وصيادلة، وفرق فنية وحراسة ونظافة، لا توجد بينهم أي فتاة.

معيداً ذلك إلى الواقع الاجتماعي الذي يمنع تواجد النساء بشكل دائم في أماكن مغلقة، وقال: المركز مغلق أمام الجميع باستثناء العاملين والمرضى، لضمان عدم انتشار الفيروس، لذا كان العاملين يمكثون عدة أسابيع في المركز بدون أن تطأ اقدامهم بوابته الخارجية.

 

300 في المئة

خلال الأسابيع الأولى من انتشار وباء كورونا في اليمن، تضاعفت مبيعات الأدوية بشكل كبير جداً، حيث وصلت نسبة الارتفاع إلى 300% خاصة الأدوية الخافضة للحرارة وأدوية أمراض الجهاز التنفسي والفيتامينات.

وفي هذا السياق قال الدكتور قحطان مياس نقيب الصيادلة بمحافظة ذمار: إن الكثير من المواطنين كانت لديهم مخاوف كبيرة من الفيروس ما استدعى شرائهم للأدوية والفيتامينات بشكل مفرط تحسباً للفيروس.

مضيفاً: خلال تلك الفترة كان الكثير من المواطنين يطلبون أدوية الحمى وأمراض الجهاز التنفسي والمضادات الحيوية والفيتامينات بكل أشكالها خاصة الأسر التي يوجد بينها مصاب بمرض مزمن أو مسن، أكثر من غيرها. مؤكداً أن المخاوف هي التي كانت مسيطرة على مشاعر الناس بسبب الهالة الإعلامية الذي صاحب انتشار “كوفيد 19”.

في ذات الوقت لاحظ، الطبيب محمد الجنيد وهو مالك إحدى الصيدليات في مدينة ذمار، أن إقبال الذكور لطلب الأدوية كان أضعاف إقبال النساء.

وقال الجنيد، “النساء في حال مرضهن كان يتم معالجة الامر في المنزل بينما العكس في حال أصيب أحد أفراد العائلة من الذكور”.

مشيراً الى أن هناك نوع من التمييز ضد النساء في شراء الأدوية والعقاقير المساعدة على تقوية المناعة. ولفت إلى أن التفسيرات الشعبية بأن الإناث أقل تأثرا بـ “كوفيد- 19″ بالمقارنة مع الذكور، ساهم في إهمال حمايتهن وحصولهن على أدوية مقوية للمناعة.

وقال صندوق الأمم المتحدة للسكان أن نحو ثلاثة ملايين يمنية عرضة للخطر، مؤكداً العنف ضد المرأة زاد بنسبة 63 % منذ تصاعد النزاع في اليمن.

يأتي ذلك في وقت ما تزال اليمن ترزح في المرتبة الأخيرة في المؤشر العالمي للفجوة بين الجنسين الذي وضعه المنتدى الاقتصادي العالمي للسنة الـــ 13 على التوالي.

ويشير ” ثابت المرامي” أخصائي اجتماعي، أن العنف ضد النساء، لم يقتصر على فترة جائحة كورونا أو الحرب في اليمن، بل بشكل مستمر، وأكد المرامي أن “الحرب وجائحة كورونا دفعتا الكثير من السلبيات التي كانت مخفية، إلى السطح، وكشفت مدى ما تتعرض له النساء اليمنيات من عنف جسدي ولفظي وأيضا تمييز عنصري، من قبل أزواجهن أو أقربائهن.

مؤكداً أن المجتمع يعتبر أن النساء هنَّ الحلقة الأضعف وعليهنَّ أن يتحملنَّ كل أخطاء الأخرين، بما فيهم أقرب النساء لهنَّ.
وحذر المرامي من تحول العنف ضد المرأة إلى “ظاهرة يعتادها الناس ويتعايش معها”، في حال لم يتم إيجاد حلول للحد من هذه السلوكيات المجتمعية الخاطئة داخل الأسرة وخارجها.

تم إنتاج هذه المادة كإحدى مخرجات برنامج ” الكتابة الصحفية الجيدة لقضايا العنف القائم على النوع الاجتماعي في ظل جائحة كوفيد19″ الذي ينفذه مركز الدراسات والإعلام الاقتصادي بدعم من صندوق الأمم المتحدة للسكان UNFPA.

مقالات ذات صلة