وفيات بلا عزاء

ذمار أونلاين | صقر أبو حسن      (الإثنين: 28 ديسمبر 2020)

مضى بها أقربائها إلى المقبرة، وهناك أخبروا الجميع أنه لا عزاء في وفاتها، وبعد أسبوعين من مواراة جثمانها الثرى، حفر لزوجها مرقداً دائماً إلى جوارها، وبعد الدفن بدقائق أخبروا الجميع أن العزاء سيكون ثلاثة أيام في منزل الأسرة، على الرغم من المحاذير من انتشار “كورونا- كوفيد19”.

“فاطمة”- اسم مستعار- أم لسبعة أبناء، كانت تعيش في مدينة ذمار، تمكن منها المرض منذ زمن، وبات جسدها لا يطيق مرضاً أخر إلى جوار أمراض “القلب والسكر والضغط”، فانتقلت روحها إلى السماء، ذات مساء، بعد عدة ليالي من معاناة الحمى وضيق التنفس والسعال الحاد، في السابعة صباحاً كان أبنائها وأقربائها يطمرون جسدها بالتراب.

«اشتبه الجميع بإصابتها بـ كورونا»، كما يقول أحد جيران الأسرة، ويضف: لم يقام لها أي مراسيم للعزاء بل اكتفوا بيوم واحد مخصص للنساء، بسبب جائحة كورونا، لكن عندما توفي والدهم بعد نصف شهر تقريباً كان منزلهم يعج بالكثير من المعزين.

توفي زوج “فاطمة” ودفن إلى جوارها، ما عزز للناس شكوك إصابتهما بـ ” كوفيد-1″، وبدلاً من الإحجام من الذهاب إلى منزل الأسرة، كان المنزل يستقبل العشرات من الأشخاص للعزاء، طوال ثلاثة أيام، رغم المخاوف من إصابتهم بالفيروس.

ليست “فاطمة” الوحيدة التي دفنت أثناء الجائحة، بل هناك أخريات تم دفنهن، ولم تقم أي مراسم لعزائهن، ورفعت مخاوف انتشار الفيروس عن أقربائهن الحرج، ودفعت بهم لاستقبال التعازي عبر منصات التواصل الاجتماعي والهاتف.

لكن الأمر ليس كذلك عند وفاة أحد الذكور، سواءً كانت الوفاة قبل الجائحة، أو أثناءها وبعدها، فقد حرص الأهالي على استقبال العزاء في منازلهم أو منازل أقربائهم وجيرانهم، رامين بمخاوف انتشار “كورونا” عرض الحائط.

التنشئة الأسرية الخاطئة

رصد محرر المادة 7 حالات في مدينة ذمار، وثلاث حالات في مناطق ريفية، إحداهن في مدينة معبر- عاصمة مديرية جهران- ، وترى الباحثة الاجتماعية والكتابة الصحفية “نبيهة محضور” أن هذه الظاهرة جزءاً من تأثر الثقافة السائدة على المجتمع.

وقالت: في المجتمع اليمني توجد عادات وأعراف إيجابية يتميز بها، وهناك عادات سلبية “بالية” تؤثر على تقدم المجتمع وتطوره، خاصة تلك التي تستهدف المرأة.

مؤكدةً في حديثها أن “الجهل والتخلف الذي يسيطر على بعض الأسر، وراء النظرة القاصرة للمرأة التي تنتقص من قيمتها ومن حقوقها برداء القيم والدين والنابعة من الجهل بالنصوص القرآنية ومفاهيم الشريعة الإسلامية.

محضور التي ترأس كذلك نادي كتاب القصة بمحافظة ذمار، لفتت إلى أن “التنشئة الأسرية الخاطئة” تنعكس بشكل سلبي على تمييز الذكور على الإناث مما ينتج عنها أشكال متعددة من العنف منها الإساءة النفسية والعاطفية والحرمان من الحقوق، مشيرة إلى ظاهرة “التمييز في العزاء”.

وتابعت: مع ظهور وباء كورونا (كوفيد-19) تبدت ظاهرة غريبة لدى بعض الأسر تتمثل في منع العزاء في وفاة المرأة وتقبله في وفاة الرجل والذي يعد صورة من صور التميز السلبي غير المقبول ضد المرأة.

وأشارت إلى أن هذه السلوكيات “تظهر تغلغل التمييز القائم على النوع الاجتماعي والذي سيكرس التمييز السلبي ضد المرأة”، محذرةً من انعكاسات سلبية على المجتمع وتركيبته الاجتماعية ما يعيق نموه وتقدمه ويحدث خلل قيمي”.

وتطرقت إلى ضرورة “تبني الإعلام برامج توعوية للحد من صور التمييز السلبي تجاه المرأة”. ودعت إلى “رفع الوعي المجتمعي إزاء هذه السلوكيات وتفعيل دور الإرشاد الديني للتعريف بمكانة المرأة وحقوقها في المجتمع”.

تعسف غير مبرر

لطف حريش رئيس قسم علم النفس بجامعة ذمار، يفسر ذلك بـ “التعسف غير المبرر ضد المرأة”، وقال: النظرة القاصرة للمرأة ناتجة عن الجهل بقضايا وحقوق وواقع وطبيعة المرأة، والتعامل السلبي مع المرأة في جوانب حقوقها التعليمية والنفسية والاجتماعية والفكرية وغير ذلك، بالإضافة إلى توظيف الدين بصورة غير صحيحة فيما يتعلق بالحقوق والواجبات، متغيرات ساعدت على تعزيز سلوكيات الانتقاص من المرأة.

مضيفاً: لاحظت الوصمة المجتمعية والصحية التي لازمت أو ارتبطت بهذه الجائحة على مستوى العالم عامة واليمن خاصة، سنجد أن البيئة اليمنية كانت بيئة خصبه لتعميق مثل هذه الوصمة نفسيا عند الذكور والإناث.

وأشار رئيس قسم علم النفس بجامعة ذمار إلى أن المرأة في المجتمع اليمني “مستبعدة ومستثناه من أبسط حقوقها حتى أثناء مفارقتها للحياة”.

معيداً ذلك إلى ما وصفها “التركيبة المجتمعية للمجتمع اليمني”، وقال: الأنظمة واللوائح عُكست على شكل أعراف وعادات وتقاليد للحياة اليومية بإدراك مجتمعي قاصر وتوظيفا خاطئاً، لينتج لنا – وفق حدي حريش- عوامل ساهمت في الابتعاد والتنصل من إعطاء المرأة حقوقها الحياتية وهدر كرامتها.

مؤكداً إن الأسر في بعض المناطق اليمنية وبسبب الخوف من الوقوع في العار والانكسار “رمت بالمرأة في خانة التهميش”.

تضاؤل فرص مساواة الإناث مع الذكور أثناء مراسم العزاء في محافظة ذمار، بسبب جائحة (كوفيد-19)، يعد واحد حلقة واحدة من مسلسلٍ العنف والتمييز الاجتماعي الذي تعيشه المرأة اليمنية وما تعانيه في بعض المجتمعات من تهميش في حياتها وأيضا عند مماتها.

تم إنتاج هذه المادة كإحدى مخرجات برنامج ” الكتابة الصحفية الجيدة لقضايا العنف القائم على النوع الاجتماعي في ظل جائحة كوفيد19″ الذي ينفذه مركز الدراسات والإعلام الاقتصادي بدعم من صندوق الأمم المتحدة للسكان UNFPA

مقالات ذات صلة