المعزوفات في ذمار .. مشغولات نسوية تراثية متجددة

ذمار أونلاين|أسماء المصري:       (الأحد:24 يناير 2021)

كغيره من البشر قام الإنسان اليمني منذ القدم بالبحث عن وسائل تساعده على التكيُّف مع محيطه وصناعة الأدوات التي تُسهِّل طريقة عيشه في بيئة زاخرة بالتنوع الطبيعي والجغرافي.

ورغم دخول الصناعات الحديثة، إلا أن الإنسان اليمني ما يزال يتمسك بمورثاته القديمة التي يصنعها بيديه، وبمعداته البسيطة، ويستخدمها أيضا، في الأعمال اليومية، منها الفخار التي تستخدم في طباخة الطعام وفي الزينة، وأيضاً أدوات أخرى تصنع من الخشب والحديد تستخدم في الزراعة، وفي العديد من الأعمال اليومية. 

كما أن حرفة “العَزَفْ”، تعد واحدة من المشغولات اليدوية القديمة، والتي تصنع من القصب والحشائش وسعف النخيل وخيوط الليلون أو خيوط بلاستيكية، وتستخدم في صنع أطباق لتقديم الطعام، وقبعة الرأس وعدد من الأواني الأخرى  والتي ما يزال السكان يتمسكون بها، وتباع في الأسواق.

وفي محافظة ذمار تتفنن المرأة بصنع العَزف بأشكال جميلة وفاتنة، وأحجام مختلفة، مستخدمة الحشائش التي تجلب من المزارع والجبال، والخيوط بألوان مختلفة. 


  • عملية العَزَفْ 

تُعَدُّ عملية صناعة العَزَفْ عملية جمالية لا تخلو من الذوق الفني والهندسي الذي قد تمارسه المرأة بطريقة ارتجالية بإطلاق مخيلتها نحو النموذج المراد تنفيذه. 

السيدة حُسن محمد التي تسكن في ريف محافظة ذمار، واحدة من النساء اللواتي يعملن في صنع مشغولات العَزَفْ، كشفت لنا عن الادوات التي تستخدمها في العَزَفْ، بقولها، “تتطلب عملية العَزَفْ ثلاث عناصر رئيسية: ( الإبرة ) وتكون الخاصة منها للعَزَفْ كبيرة الحجم وحادة الرأس لتتمكن من اختراق الخيوط والنبات المستخدم في الحشو. ( الحشو ) وهو غالباً ما يكون من نبات الحَذَا ( الغطاء ) وهي المواد والخيوط المستخدمة في لفِّ الحشو وتشكيل المنظر الخارجي للقطعة المعزوفة).

أما عن طريقة صناعتها فأضافت السيدة حُسن ( تبدأ عملية صناعة القطعة من مشغولات العَزَفْ بإنشاء نقطة دائرية صغيرة في وسط أي قطعة تنوي المرأة صنعها، ما تلبث أن تكبر وتزداد اتساعاً بصنع لفائف من الحشو وتغطيته بالمادة الخارجية المختارة من الخيوط، وتشكيل هذه اللفائف وتثبيتها بخياطتها بما قبلها باستخدام الإبرة الخاصة بالعزف، وتتواصل هذه العملية مع الوصول إلى الشكل والحجم المطلوب، وتقوم المرأة أثناءها بتشكيل الألوان بحسب النموذج الذي ترغب في تنفيذه ).

وكان العَزَفْ حرفةً تمارسها النساء بالتعلُّم عبر الأجيال، فمنهن من أتقنتها فصنعتها لاحتياجاتها الخاصة في منازلهن، ومنهن من اتجهن إلى صنعها وبيعها لمن يرغب في شراءها من الجيران أو تصديرها للأسواق أيضاً. 

 

  • أشكال ( العَزَفْ ) 

تختلف المشغولات اليدوية في من حيث التصميم والحجم، بحسب الحاجة اليها وقد صنعت النساء في ذمار أشكالاّ متنوعة منها. 

ولمعرفة المزيد حول الأنواع واستعمالاتها سألنا السيدة حُسن محمد فقالت:”لمشغولات العَزَفْ أشكال مختلفة، فهناك (الرَبْعَة) وهي عبارة عن وعاء دائري عميق متفاوت الحجم، له غطاء مُحْكم، يستخدم لحفظ الخبز والكعك والمخبوزات بأنواعها لتحافظ على رطوبتها، وهناك (التّوْرَة) وهي عبارة عن وعاء دائري متوسط العمق يستع قطره للأعلى ويضيق في الأسفل، وكان يستعمل قديماً لحفظ الحبوب والثمار وكانت بعض النساء تستخدمه كسلة لجمع الحطب، والأحجام الصغيرة منها للكعك والخمير، وكذلك ( المائدة ) وهي طبق دائري له قاعدة سفلية من المنتصف ترفعه عن الأرض، واستخدمت لتقديم الطعام في البيت أو مناسبة العرس”. 

وتابعت حُسن: ويوجد أيضا (المَسْرَفة ) وهي عبارة عن طبق دائري كبير الحجم، منبسط كلياً على الأرض، لا ارتفاع له ولا جوانب، ويستخدم عادةً ـ بعد رشِّه بالطحين ـ لوضع قِطَع العجين قبل خبْزِها، كالخُبْز والكعك والسباي وغيرها من المخبوزات، ولدينا ( الطَبَقْ ) وهو عبارة عن طبق دائري له جوانب مرتفعة في نهايته، ويستخدم الحجم الكبير منه لتقديم الخبز والملوج والسباي، وكغطاء لها أيضاً حتى موعد تقديمها للأكل، أما الحجم الصغير منه فيستخدم في المناسبات لتقديم الكعك والحلوى والزبيب والمكسرات، ومنها ما يستخدم للزينة ويُعَلَّق على الجدران ويُنْقَش عليها أسماء الزوج والأبناء والأقارب، وكذلك ( المَخْبَزَة ) وهي طبق مستدير له قاعدة صغيرة تشبه العلبة لحمله والإمساك به أثناء الاستخدام، يتمُّ حشوه ببراعم نبات ( الرا ) أو ( الفلين ) كبديل صناعي للرا، ويغطى بقماش أبيض من القطن مشدودٍ بخياطة مُحكمة على الأطراف، لتشكيل ما يشبه نصف دائرة مُجَسَّمة، وتوضع العجين عليه وتُفرد إلى الحجم المطلوب بطريقة الضرب بالتناوب بين راحة اليد والمخبزة، وتّمدُّ أطرافها بالأصابع ثم تُلصق بواسطة المخبزة على جدار التنور الساخن، أما ( الكُوْفِية ) فهي عبارة عن قبعة دائرية الشكل، تبدو كالمثلث في أعلى الرأس، وتستخدم لحمايته من حرارة الشمس أثناء الرعي أو العمل خارج البيت والسير لمسافات طويلة ).

 

  • المواد المستخدمة في  صناعة ( العَزَفْ )

أثناء زيارتنا للسوق الشعبي القديم في ذمار والمسمى (سوق الربوع )، والذي يعد ملتقى أسبوعي للتجار والموطنين من مختلف مناطق محافظة ذمار، يفدون اليه كل يوم أربعاء للتسوُّق والتبضُّع. 

 وجدنا أنواعاً من النباتات المستخدمة في العَزَفْ، فسألنا إحدى البائعات عن الأماكن التي تُجلب منها، فأخبرتنا قائلة ( معظم هذه النباتات تأتي من محافظاتٍ أخرى حيث تنبت هذه الأعشاب في شعابها، فيذهب الرجال إلى تلك المناطق في رحلة قد تمتدَّ إلى اثني عشر يوماً لجلبها، وعند العودة تتم عملية ترتيبها وربطها وإعدادها كحُزَمٍ لبيعها في السوق).

أنواعٌ مختلفة من النباتات تستخدم في العَزَفْ، منها أعشاب جافة تسمى الحِلْدِيد تميل للأخضر الفاتح وذات صفرة متفاوتة الطول، والحَذَا وهي نباتات جافة أكثر سُمْكاً وطولاً من الحِلديد، والنَّمَص وهو نباتات متوسطة الطول تنمو البراعم على أطراف سوقها، وتمتاز بالمتانة والليونة معاً، أما القَصَبْ فهو لحاء أعواد الذرة البيضاء، ويمتاز باللَّمعان، ويعدُّ من أغلى الأنواع المستخدمة في تشكيل الغلاف الخارجي والنقوش للمشغولات اليدوية، ويستخرج بتقشير الأعواد بشكل طولي ونقعها في الماء وصبغ بعضها بالألوان المطلوبة وتجفَّف قبل البدء باستخدامها، كذلك النخيل (الخَيْشْ) وهي أوراق سعف النخيل الجافة، وتمتاز بالسماكة والقطع العريض، قريب الشبه بخيوط القصب لكن ينقصها اللمعان والنعومة.

وأضافت بائعة الأعشاب التي فضلت عدم الكشف عن اسمها، حين سألناها عن استخدامات هذه النباتات:(الحِلْدِيد يستخدم كمكانس لتنظيف البيوت والأسطح، والحَذَا يستعمل كحشو أثناء صناعة المشغولات اليدوية).

وتابعت في حديثها لـ”ذمار أونلاين” أما النَّمَص والقَصَبْ الخيش (سعف النخيل ) فجميعها تستخدم كخيوط طبيعية للفِّ الحشو أثناء صناعة الشكل الخارجي للمشغولات اليدوية، ويصنع من الخيش المكانس الشعبية أيضاً”.

 

  • إبداع مُتجدِّد 

وخلال زيارة السوق الشعبي والبحث عن منتجات العَزَفْ التي تُعدُّها النساء، نرى الألوان والنقوش الزاهية لمشغولات اليوم، والمواد المستحدثة في صناعتها خلال السنوات الاخيرة وهنا نقف أمام مشهدٍ مهمَّ يقودنا إلى التفكير في موهبة النساء رغم بساطتهن في ابتكار مواد جديدة لاستعمالها في هذا العمل والبحث عن بدائل أرخص وفي متناول اليد لتزيين الشكل الخارجي للعَزَفْ، فعوضاً عن ( النَمَصْ والقصَبْ والخَيْش ) استعملن خيوط القش الصناعية اللامعة والبلاستيكية وخيوط الصوف وخيوط أكياس الطحين والسكر وأكياس المقرمشات الخاصة بالأطفال، بل واستخدام شرائط لفِّ إطارات الدراجات النارية اللامعة أيضاً، فتغدو مصنوعاتهن مختلفة النقوش وزاهية الألوان. 

وما تزال المشغولات مشغولات العزف، بصورتها التقليدية والحديثة رائجة في السوق ويطلبها السكان، وتستعمل في كثير من المناطق وتضمُّها المنازل باختلاف مستوياتها الاجتماعية، فتبقى عملا فنيا غاية في الابداع والجمال، وإرثاً شعبياً تتوارثه الأسرة الذمارية. 

الوسوم

مقالات ذات صلة